ظللنا هكذا يا صديقي نسير على حالنا بغير هدى أو دليل، نقطع الأزقة ونجوب الشوارع، نستغرب المباني والبيوتات، وننكر المحال والطرقات، نسير ونسير ... لا نعلم إلى أي الأشطر نولي وجوهَنا ولا إلى أي الأماكن نقصد، ولم يكن أمامنا من سلوى سوى الحديث والحديث، حديثٌ عن ذلك المدرس العبوس ذو الأطوار الغريبة تارة وتارة أخرى عن ذلك العطوف القريب إلى النفوس، وحديثٌ عن تلك الخنفاء ذات الأنف الدقيق مرة ومرة أخرى عن تلك الميساء الأنيقة.
ثم تحدثتنا عن المتشابهات من آيات القرآن كيف حفظناها وابتكرنا لها من الحيل والتراكيب ما يساعدنا على استحضارها والتمييز بينها ... وحدثتني كذلك يا صديقي عن (يوم مراجعة الماضي) وهو ذلك اليوم الذي كان يختبرك فيه أبوك ويمتحن مدى تذكرك لتلك الأجزاء من القرآن التي ختمتها في الأشهر الماضية ... قلت لي إنك كنت تخشى هذا اليوم وتحمل له هما كبيرا، بل وتدعو ربك في كل مرة أن يرسل لأبيك من الشواغل ما يلهيه عنك وعن مراجعة القرآن معك؛ ففي كل مرة يطلبك لذلك يكون نصيب يديك وقدميك من القرع بالعصى شديدا ومن اللطم على الوجه مضاعفا خاصة حين ينجح أخوك الأصغر في استحضار تلك الآيات والسور التي تعجز أنت عن استحضارها.
حدثتني يومها كذلك عن ذلك البرميل فوق سطح بيتكم وتلك الأكوام التي خلفها البناؤون من الرمل ومن الحجارة، وكيف كنت تصعد مع أخيك إلى ذلك السطح في كل يوم قبيل المغرب فتلهوان معا بالرمال وبالحجارة وبذلك البرميل فتتخيلانه تارة بيتا يُسكن وتارة دآبة تُركب وتارة منبرا يُخطب من فوقه.
ظللنا هكذا يا صديقي حتى آنسنا من جانب أحد الشوارع حانوتا، فتهللت أساريرك... وأوقفتنا لتخبرنا بأنك تعرف هذا الحانوت وتعرف الطريق منه إلى السوق، وأننا إذا ما وصلنا إلى السوق فسيصبح من اليسير عليك إعادتنا من خلاله إلى المعهد، لم يكن أمامنا من خيار آخر، فتهيأ ثلاثتنا لعبور الطريق ومضينا سويا نسير نحو مدخل السوق.
وهناك رأينا أول ما رأينا عجوزا تفترش الأرض واضعة أكواما من النبق أمامها، فما إن رآه رفيقنا الثالث حتى سال لعابه واشتاه، لكننا حين فتشنا جيوبنا لم نجد فيها من المال ما يكفي لشرائه.
يتبع

تعليقات
إرسال تعليق