إن المتدبر في آيات القرآن يدرك أن فرعون كان شخصا يجيد مخاطبة العامة والتودد إليهم بل وخداعهم بمعسول الكلام ولين الحديث، وهو شخص يحرص دوما على الظهور أمام الجماهير بمظهر المحافظ على دين العامة وتقاليدهم والراعي لمصلحة البلاد وأمنها.
وقد أورد القران في غير موضع لمحات من توجهات فرعون وخطاباته تلك؛ فهو الباحث دوما عن الجمهور ليحدثه ويستعرض أمامه؛ يقول تعالى: "وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ".
وهو يتحدث للعامة تارة في خطاب شبه ديني يدعي فيه الحرص على دين الناس وصلاح أحوالهم قائلا عن موسى: "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد"
وهو يحرص كذلك على الظهور في مظهر الديمقراطي الذي لا يتحرك إلا بمشورة من حوله ونصيحة مستشاريه، فيقول لهم تارة: "ماذا تأمرون" في قوله تعالى (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون) وانظر لإضافة كلمة أرض لكاف المخاطب فيقول أرضكم وليس الأرض لبيان مدى حرصه على الوطن والانتماء إليه.
وتارة يقول: "ذروني" في قوله (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه) وكأنه ينتظر تفويضا أو إذنا منهم بالقتل.
وهو يتحدث كذلك إلى العامة في مواضع أخرى مدعيا أنه أعلم الناس بالصواب والمصلحة فيقول: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ" ومشوها لمعارضيه و لآرائهم فيقول عنهم: "إنهم شرذمة قليلون"
وهو كذلك يجالس السحرة ويتباسط معهم، فيحدثهم ويحدثونه، ويعدهم ويمنونه، وهو حين انهزم السحرة أمام معجزة موسى وقف أمام الجماهير وبسرعة بديهة متهما إياهم بأن موسى كبيرهم الذي علمهم السحر.
لقد امتلك فرعون القدرة على مخاطبة الناس وخداعهم بمعسول الكلام، كما امتلك القدرة على الجدال وقلب الحقائق بحجج كان يوهم الناس انها الحق والصواب.
ولذلك قال عنه تعالى في نهاية المطاف: "وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل"
والعبرة لذوي الألباب

تعليقات
إرسال تعليق