التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيكولوجية الشعراء... أسئلة بلا أجوبة (مقال أدبي)




وإني كلما قرأت بيت شعر فأعجبني ألح على رأسي سؤال، كيف استطاع هذا الشاعر أن يعبر بكل هذه الدقة والسلاسة عن مشاعر ربما ألمت بالكثيرين قبله فعجزوا عن وصفها أو التعبير عنها؟  ترى ما الذي كان يدور في ذهن الشاعر حين قرض بيته بهذا الشكل؟ وكيف استطاع أن يستخرج من اللغة تلك الألفاظ؟ وأن يمزج بينها ليصوغ لنا في النهاية لوحة لا تعبر عن أحاسيسه فحسب بل عن أحاسيس أجيال عدة بينها وبينه أماكن وأزمنة. 


• ترى ما تلك الكيمياء التي دارت في مخ عنترة؟ وما الذي جال بخاطره وهو يقرض هذين البيتين؟

وَلَقَــد ذَكَرتُــــــكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ

مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي 

فَوَدَدتُ تَقبيـــــــلَ السُيوفِ لأَنَّها

لَمَعَت كَبـــــــــارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ


كيف استطاع بكل هذه السهولة وبهذه الألفاظ البليغة الواضحة أن ينقل لنا مدى انشغاله بحبيبته التي ما فتئ يذكرها ويشتاق إليها حتى وهو يقاتل الفرسان وسط المعمعة ونقع المعركة، لم تلهه عنها طعنات رماحهم ولا ضربات سيوفهم، بل إنه لينظر للسيوف من حوله فلا يرى في لمعانها القتل والكلوم وإنما يرى فيها فم حبيبته حين تبتسم فيتمنى لو قبلها. 

ترى كيف تفتق ذهن عنترة عن تعبير كهذا؟ وما الذي جال بخاطره ليصور لنا تلك الصورة!! 


• واني كذلك كلما دندنت مستمتعا بقول قيس بن الملوح: 

أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيــــارِ لَيلى

أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِـدارا

وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي

وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيـارا


تعجبت أشد العجب من تلك الصورة التي رسمها لنفسه لينقل لنا ما به من شدة شوق وحرمان حتى إنه ليمر على أطلال حبيبته فيقبل جدران بيتها الذي كانت تسكنه، لقد بلغ به الحب مبلغا جعله يقبل كل شيء ارتبط بها. فأي نفس هذه!  وأي مقدرة تلك التي جعلته يصوغ أبياتا كهذه وتعبيرا كهذا! 


• ثم انظر معي إلى المتنبي كيف عبر عن روعة جمال محبوبته وحسنها؛  فهي لا ترتدي الحليُ لتتجمل بها وإنما لتحفظ به جمالها، وهي لا تربط شعرها لتضيف إلى جمالها شيئا وإنما خوفا من تطايره وتبعثره. 


لَبِسنَ الوَشيَ لا مُتَجَمِّــــــلاتٍ

وَلَكِن كَي يَصُنَّ بِهِ الجَمــــــالا

وَضَفَّرنَ الغَدائِرَ لا لِحُســـــــنٍ

وَلَكِن خِفنَ في الشَعَرِ الضَلالا


ثم إنه وفي بيت واحد يصف لنا حسن وجه محبوبته ولين قوامها وطيب رائحتها وجمال عيونها فيقول: 

بَدَت قَمَراً وَمالَت خوطَ بانٍ

وَفاحَت عَنبَراً وَرَنَت غَــزالا


فكيف خطرت بباله هذه الصور؟ وكيف استطاع انتقاء تلك الألفاظ حتى جاءت مناسبة لها؟ وإنك لتراه بعد ذلك يعبر بنفس القوة عن مشاعره التي تبلدت فلم تعد تتحرك لشيء من شدة ما لاقت من هموم وآلام فيقول: 


لَـمْ يَـتْـرُكِ الـدَّهْـرُ مِنْ قَلْبِي وَلَا كَبِدِي 

شَــيْــئًــا تُــتَــيِّــمُــهُ عَـيْـنٌ وَلَا جِـيـدُ

يَـا سَـاقِـيَـيَّ أَخَـمْـرٌ فِـي كُـئُـوسِـكُـمَـا 

أَمْ فِــي كُــئُـوسِـكُـمَـا هَـمٌّ وَتَـسْـهِـيـدُ

أَصَــخْــرَةٌ أَنَــا مَــالِــي لَا تُـحَـرِّكُـنِـي 

هَــذِي الْــمُــدَامُ وَلَا هَــذِي الْأَغَـارِيـدُ


• وهذا شوقي يعتذر لصديقه عن وقوعه في الحب حتى أضحى أسيرا لا يقوى على الفكاك من قيده،  فأي وحي هذا الذي ألهمه تلك التعبيرات التي نقلت لنا ما به من ضعف وقلة حيله فيما أصابه من عشق ولوعة؟ 


لَكَ أَن تَلومَ وَلـــــــــي مِنَ الأَعذارِ

أَنَّ الهَوى قَدَرٌ مِــــــــــــــنَ الأَقدارِ

أَمري وَأَمرُكَ في الهَوى بِيَـدِ الهَوى

لَـــو أَنَّهُ بِيَدي فَكَكتُ إِســـــــــاري


• ثم انظر إلى علي الجارم وهو يتغزل في محبوبته قائلا: 

إنِّي أَغــــارُ منَ الْكُؤوسِ فَجنِّبِي 

كَأْسَ الْمُدَامَـــــــــةِ أَنْ تُقَبِّلَ فاكِ

خَدَعَتْكِ ما عَذُبَ السُّلافُ وإنَّمَـا 

قـــــــد ذُقْتِ لَمَّا ذُقْتِ حُلْوَ لمَاكِ


انظر كيف استطاع بلغة شعرية بسيطة أن يعبر عن غيرته الشديدة على محبوبته! حتى إنه ليغار من تلك الكأس الذي تشرب منه لأنه يلامس شفتيها، ثم إنه يبهرنا في وصفه حلاوة شفتيها فيخبرها أن ما تذوقته من حلاوة طعم حين شربت الخمر ليس بسبب حلاوة الخمر وإنما لأنها قد تذوقت حلاوة شفتيها. 

فكيف استطاع شيطان شعره أن يلقنه تلك الفكرة؟  ومن أي معين نهل؟ 


• وكيف استطاع الشابي ببراعة وببضع كلمات أن يعبر بقوة ووضوح عن ضآلة أعدائه إلى جانبه وصغرهم إلى جواره؟ فكأننا نراهم أمام أعيننا أقزاما أو أطفالا يلهوون


إنِّــــــــــي أقولُ لهمْ ووجهي مُشرقٌ

وعلى شفاهـــــــــــي بَسْمَةُ استهزاءِ

إنَّ المعـــــــاوِلَ لا تَهُدُّ مناكبــــــــــي

والنَّـــــارَ لا تـــــأتي على أعضائــــي

فارموا إلى النَّار الحشائشَ والعبــوا

يـــــــا مَعْشَرَ الأَطفالِ تحتَ سَمائي


• وأي عبقرية تلك التي جعلت نزارا يصور لنا الحروف أشكالا نلمسها ونلوكها ونتزحلق على أسطحها ونتدحرج من على تضاريسها؟! 


مــــــــا زلنا منذُ القرنِ السّابعِ، 

نأكـــــــلُ أليـــــــــافَ الكلماتْ

نتزحلقُ فــــــي صمغِ الرّاءاتْ

نتدحرجُ مـــــن أعلى الهاءاتْ


وكيف استطاع قبل ذلك كله أن ينقل لغة الشعر من البداوة والصحراء ومن البان والعلم ومن السيوف والرماح إلى المقاهي والفناجين والقهوة والسجائر والجرائد والستائر والفساتين والعطور الفرنسية  ...  أي مقدرة تلك؟ أم أي عبقرية هذه؟ 


ويظل السؤال مطروحا


د. عمرو أبوالحسن المنشد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.