التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعيني ذو الخمسة عشر عاما (مقال أدبي)


أنا لا أعرف كيف بلغت سن الأربعين، ولا أذكر حتى كثيرا من تفاصيل مراحل حياتي السابقة، فأنا في حقيقة الأمر ما زلت في الخامسة عشر، أقف على أعتابها لم أتحرك، لازلت في المرحلة الإعدادية، أعود من مدرستي فأتناول غدائي وأجلس لأستحضر دروسي، ثم آوي إلى إخوتي لنلهو ونمرح ونتشارك الطعام والفراش. 

أنظر إلى أولادي أحيانا وهم يلعبون فابتسم، وأتساءل متعجبا كيف لطالب الإعدادية أن يصبح فجأة أبًا وطبيبًا ومدرسًا جامعيًا وهو أحوج من أبنائه هؤلاء للعب بالمكعبات أو الرسم على الأوراق أو مشاهدة أفلام الكارتون وشراء مجلات ميكي وماجد، ترى متى أصبحت مسؤولا؟ يُنادَى عليّ ببابا تارة وبالدكتور تارة أخرى، متى أصبحت كذلك؟  وأنا الذي مازلت كلما تعثرت أو كشرت لي الدنيا عن أنيابها هرولت إلى رحاب أبي استغيث به وحضن أمي استنجد بها وبدعائها. 

أنا ذلك التلميذ في الخامسة عشر من عمره ولكنه يخطو الآن خطواته الأولى نحو الأربعين، أنا ذلك الفتى الذي كان جل خوفه في الحياة أن يخسر في أحد الامتحانات درجةً أو نصف درجة، والذي كان كل همه الاستذكار والتحضير، أصبحت مخاوفه الآن أكثر وأوسع ... لقد كبر الفتى فجأة وأصبح يخشى أذى الناس وسوء أخلاقهم، ويخاف على أبنائه واقعا كان يتمناه أفضل، ومستقبلا يسأل الله-جل وعلا- أن يجعله أجمل وأرحب. 

أراجع شريط سنواتي الماضية، فأتساءل ترى متى تخرجت من الجامعة؟ ومتى التحقت بالعمل؟  من هذا الذي يمسك في يده سماعة ويرتدي بالطو أبيض؟  من هذا الذي يقف بين الطلاب يشرح ويتحدث ويمتحن؟  من هذا الذي يكتب وينشر ويطبع؟ هل هذا حقا هو أنا!!! .... كلا بالتأكيد لا؛  فأنا لست ذلك الطبيب ولا ذلك المدرس ولا ذلك الكاتب...  أنا ذلك التلميذ الذي يضع الآن كتبه في حقيبته استعدادا ليوم دراسي جديد.

نعم أنا ذلك الفتى وهذا التلميذ وإلا فلماذا أجد متعتي في اللهو مع بناتي؟ وأجد سعادتي وأنا  بين الطلاب أكتب وأشرح؟ وأجدها وأنا أحضر محاضرة جديدة؟ وأجدها في يوم أجازتي؟ وفي بيت أبي ومع إخوتي؟ 

وإذا كنت كذلك فلماذا عليُ إذا وأنا ذلك الفتى وذلك التلميذ أن أذهب كل يوم إلى العمل؟  لماذا يصر كل شيء أن يأخذني من عزلتي؟ ومن دفاتري وكتبي؟ لماذا يصر كل شيء أن يضعني في سباقات لا أريدها!  وتحديات لا أحبها! وأشخاص تمنيت لو عرفتهم؟ وآخرين تمنيت لو لم أقابلهم؟ 

آهٍ ما أقسى الحياة... حين يمضي الزمن بكل شيء حولك ويتركك مكانك لا تتحرك ... فتبلغ في ليلة وضحاها أشدك، فتبصر فجأة زيف الحياة وهوانها، وتعي كدح الإنسان وتقصيره، وتدرك كثرة ذنوبك وعظم آثامك. 

سنوات من نعيم وكرم، ومن ذنوب وتقصير، توقن بعدها أشد اليقين ألا شيء أرجى للإنسان من رحمة ربه ولا شيء أحق بالسؤال سوى عفوه، وأن خير ما قيل أو يقال هو دعاؤك ربك "رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" 


دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.