التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلامة أبوالأرانب (ج٣)

 


أمازلت تذكر يا صديقي ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه سويا للمشاركة في إحدى مسابقات حفظ القرآن الكريم، كنا أصغر المشتركين سنا، أقتادنا يومها من الفصول أحد الأساتذة ويدعى (هاشم) وانطلق بنا مع ثلاثة من الطلاب نحو أحد مراكز الشبان بالمحافظة، وفي طريقنا إلى هناك عرّج بنا على ذلك المسجد الكبير الذي يحوي ضريح أحد العارفين بالله كما يسميهم العامة ويعتقدون فيهم الولاية والصلاح. 


دخلنا إلى المسجد فتوضأنا ثم صلى كل منا ركعتين وتوجهنا بعدها خلف الأستاذ هاشم نحو ضريح العارف بالله فقرأنا فاتحة الكتاب عنده ورفعنا أكف الضراعة لله -عز وجل- نسأله أن يوفقنا ويسدد خطانا فيما نحن مقبلون عليه وماضون نحوه، ولما رآنا خادم المسجد وعلم أننا طلاب بالأزهر وعلى وشك المشاركة في تلك المسابقة الكبرى للقرآن الكريم هش لنا وبش، ثم سارع ففتح لنا باب ذلك الحاجز الخشبي الذي يستر ما بين الضريح وزواره، فدلفنا إليه أنا وأنت ورفاقنا الثلاثة ثم جعلنا نطوف حول الضريح مرات ومرات ونحن نلمس غطاءه الأخضر ظنا منا أن ذلك سيجلب لنا البركة ويوفقنا في تلك المسابقة. 


وفي دار الشبان جلسنا أمام المشايخ في خوف ورهبة، أخذ كل واحد منهم يختبر حفظنا لجزء من أجزاء القرآن، كان أول السائلين هو ذلك الشيخ البدين ذو الصوت الأجش، حيث نظر إليك بعينيه الجاحظتين قائلا: سم الله يا بني واقرأ لنا فواتيح سورة الفتح، فما كان منك إلا أن استعذت بالله من الشيطان الرجيم وانطلقت تتلو قوله تعالى: 

"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا" 


تلوت الآيات الكريمات دون تلجلج أو تردد، ومضيت هكذا في تسميعك تتلو وتقرأ، ومضوا هم يتنقلون بنا وبك بين سور القرآن سائلين وبين الأحاديث الشريفة ممتحنين نحو ساعة أو يزيد. 


وفي النهاية سألك أحد الشيوخ-بعد أن أثنى على حفظك -عن اسم معلمك- فلما أجبته (هاشم) 

أشار الشيخ بسبابته وكأنه يمسك بيده مسدسا وقال لك مازحا: هاشم فاعل من هشم ... عندما تعود إلى معهدك هشم رأسه هكذا.

ولم يدر الشيخ المتمازح أن الأستاذ هاشم كان يجلس خلفنا في صمت وهويسمع دعابته. 


في ذلك اليوم وبعد ان انتهت المسابقة بحثنا عن الأستاذ هاشم فلم نجد له أثرا، ولم ندر إلى الآن أين ذهب؟ ولا لماذا ذهب؟، كان هذا الأمر يعني لنا شيئا واحدا وصادما وهو أننا سنضطر للعودة إلى المعهد وحدنا ودون مشرف، ولكن كيف يمكننا ذلك ونحن لا نعرف الطريق؟ 


لم يكن أمامنا سوى السير عشوائيا في الطرقات علّنا نجد أثرا نعرفه أو شارعا نألفه لكننا لم نجد يومها شيئا يا صديقي وتاه ثلاثتنا أنا وأنت ورفيقنا الثالث. 


يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.