أمازلت تذكر يا صديقي ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه سويا للمشاركة في إحدى مسابقات حفظ القرآن الكريم، كنا أصغر المشتركين سنا، أقتادنا يومها من الفصول أحد الأساتذة ويدعى (هاشم) وانطلق بنا مع ثلاثة من الطلاب نحو أحد مراكز الشبان بالمحافظة، وفي طريقنا إلى هناك عرّج بنا على ذلك المسجد الكبير الذي يحوي ضريح أحد العارفين بالله كما يسميهم العامة ويعتقدون فيهم الولاية والصلاح.
دخلنا إلى المسجد فتوضأنا ثم صلى كل منا ركعتين وتوجهنا بعدها خلف الأستاذ هاشم نحو ضريح العارف بالله فقرأنا فاتحة الكتاب عنده ورفعنا أكف الضراعة لله -عز وجل- نسأله أن يوفقنا ويسدد خطانا فيما نحن مقبلون عليه وماضون نحوه، ولما رآنا خادم المسجد وعلم أننا طلاب بالأزهر وعلى وشك المشاركة في تلك المسابقة الكبرى للقرآن الكريم هش لنا وبش، ثم سارع ففتح لنا باب ذلك الحاجز الخشبي الذي يستر ما بين الضريح وزواره، فدلفنا إليه أنا وأنت ورفاقنا الثلاثة ثم جعلنا نطوف حول الضريح مرات ومرات ونحن نلمس غطاءه الأخضر ظنا منا أن ذلك سيجلب لنا البركة ويوفقنا في تلك المسابقة.
وفي دار الشبان جلسنا أمام المشايخ في خوف ورهبة، أخذ كل واحد منهم يختبر حفظنا لجزء من أجزاء القرآن، كان أول السائلين هو ذلك الشيخ البدين ذو الصوت الأجش، حيث نظر إليك بعينيه الجاحظتين قائلا: سم الله يا بني واقرأ لنا فواتيح سورة الفتح، فما كان منك إلا أن استعذت بالله من الشيطان الرجيم وانطلقت تتلو قوله تعالى:
"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا"
تلوت الآيات الكريمات دون تلجلج أو تردد، ومضيت هكذا في تسميعك تتلو وتقرأ، ومضوا هم يتنقلون بنا وبك بين سور القرآن سائلين وبين الأحاديث الشريفة ممتحنين نحو ساعة أو يزيد.
وفي النهاية سألك أحد الشيوخ-بعد أن أثنى على حفظك -عن اسم معلمك- فلما أجبته (هاشم)
أشار الشيخ بسبابته وكأنه يمسك بيده مسدسا وقال لك مازحا: هاشم فاعل من هشم ... عندما تعود إلى معهدك هشم رأسه هكذا.
ولم يدر الشيخ المتمازح أن الأستاذ هاشم كان يجلس خلفنا في صمت وهويسمع دعابته.
في ذلك اليوم وبعد ان انتهت المسابقة بحثنا عن الأستاذ هاشم فلم نجد له أثرا، ولم ندر إلى الآن أين ذهب؟ ولا لماذا ذهب؟، كان هذا الأمر يعني لنا شيئا واحدا وصادما وهو أننا سنضطر للعودة إلى المعهد وحدنا ودون مشرف، ولكن كيف يمكننا ذلك ونحن لا نعرف الطريق؟
لم يكن أمامنا سوى السير عشوائيا في الطرقات علّنا نجد أثرا نعرفه أو شارعا نألفه لكننا لم نجد يومها شيئا يا صديقي وتاه ثلاثتنا أنا وأنت ورفيقنا الثالث.
يتبع

تعليقات
إرسال تعليق