أسوان بلد جميل ورائع, فهو يجمع بين سحر الطبيعة التي لم تفسدها يد الزمن وبين عراقة الحضارة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ.
هي بالنسبة لكثير من المصريين منبع نهر النيل, فالنيل لا ينبع من أوغندا وإنما من أسوان, وهي بالنسبة لكثير منهم أيضا أرض الحلم العربي التي احتضنت بين جنباتها أكبر مشروع قومي التف حوله المصريون يوما ما وهو السد العالي.
ما إن تسافر إلى أسوان حتى تشعر أنك تسافر خارج مصر بعيدا عن زحامها وضوضائها رغم أنك في واقع الأمر تغرق في أعماق أعماقها, سيداهمك هذا الشعور فور اقترابك من أسوان حيث تلمح عيناك هذا التغير التدريجي في تضاريس الأرض, فتختفي الأراضي الزراعية التي اعتادت عينك ان تراها لتظهر مكانها تلال وهضاب صخرية نثرت فوقها البيوتات نثرا فكأنها قد نبتت من قلب الصخر نبتا أو كانها قد شقت طريقها في الجبل شقا.
وللنيل في أسوان ألف سحر وسحر, فالنيل هنا يختلف تماما عن ذلك الذي عرفته في أرجاء مصر فهو أشبه ما يكون بفتاة عذراء جميلة يعجز الوصف عن إحصاء مفاتنها, فليس أجمل من أسراب المراكب الشراعية البيضاء التي تكسو صفحته سوى تلك الأسراب من الطيور التي تحلق بين الفينة والفينة متنقلة بين التلال الصخرية الغارقة وسط مياهه.
ولأسوان سحر فريد فما من مصري إلا ويحمل لها في مخيلته لوحة خاصة تجمع بين وجوه لأشخاص عرفتهم الثقافة المصرية وعرفت لهم تأثيرهم البالغ فيها ولقطات لأماكن فريدة سطر عليها التاريخ أحداثه, فقد تلمح في إحدى جنبات هذه اللوحات وجه مفكر كالعقاد يجلس بين عبقرياته, أو وجه فنان كأحمد منيب يدندن على أوتار عوده (تعالى نلضم أسامينا) أو (شجر اللمون) وغيرها من الأغاني النوبية التي تجبرك على التمايل على نغماتها رغم جهلك بمعاني كلماتها.
وقد تلمح أيضا صورة لمعبد أبوسمبل الذي يعد بكل المقاييس تحفة بل معجزة في الهندسة الأثرية ففيه تتعامد الشمس على وجه رمسيس الثاني بقدس الأقداس مرتين سنويا مرة يوم مولده ومرة أخرى يوم تتويجه وارتقائه للعرش.
وقد تلمح أيضا صورة لمعبد فيله وهو يعني بالإغريقية (الحبيبة) وقد أسماه العرب (أنس الوجود) نسبة لأسطورة أنس الموجودة في ألف ليلة وليلة, وقد كانت جزيرة فيله إحدى الحصون الأقوى على حدود مصر الجنوبية.
أما جزيرة النباتات والتي تعد أقدم حديقة في العالم فهي تعد في حد ذاتها لوحة فنية رائعة ومعرضا طبيعيا لنباتات نادرة شتى.
يقول المؤرخون إن أصل كلمة أسوان هي (سونو) وهي تعني السوق الكبير, حيث كانت أسوان مركزا تجاريا للقوافل القادمة من وادي النوبة.
ولا يزال سوقها السياحي الممتد موازيا لنهر النيل معلما أساسيا من معالم هذا البلد حتى يومنا هذا, فهو يحمل بين جنباته كل ما يذكرك بعراقة هذا البلد وعبق تاريخه, وللتجول في هذا السوق متعة ما بعدها متعة فهو وبلا مبالغة سوق للجمال والامتاع,
تتمتع فيه عينك برؤية الجمال في البزارات الفرعونية المختلفة, وتستمتع فيه يدك بملمس الأقمشة النوبية المتنوعة, كما تستمع أنفك برائحة العطارات الذكية وفمك بمذاق الأطعمة والحلويات الشهية.
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
مارس ٢٠١٥

تعليقات
إرسال تعليق