التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف ستنتهي جائحة الكورونا؟ (مقال علمي)



مقال كيف ستنتهي جائحة الكورونا؟

((نشر بجريدة أسوان الحديثة بتاريخ مايو ٢٠٢٠م))


هذا المقال هو محاولة لوضع تصور للكيفية التي يمكن أن تنتهي بها جائحة الكورونا الحالية، وهو تصور يحوي عددا من التوقعات المبنية على قراءات في تاريخ الأوبئة الفيروسية السابقة مثل (فيروس الإيبولا وإنفلونزا الطيور والخنازير وفيروس هندرا والإيدز والسارس والكورونا الشرق أوسطية والحصبة والفيروس الكبدي سي وغيرها).


إن المتأمل في تاريخ الأوبئة الفيروسية السابقة سيلحظ تشابها كبيرا بين معظم هذه الفيروسات في طريقة ظهورها وانتشارها وكذلك الأعراض التي تسببها، وبالتالي فمن الممكن لنا ومن خلال تتبع الطريقة التي انتهت بها بعض هذه الأوبئة الفيروسية وضع تصور للكيفية التي يمكن أن تنتهي بها جائحة الكورونا الحالية.


و لنعرض في بداية الأمر لعدد من عناصر التشابه بين هذه الأوبئة الفيروسية:


أولا) معظم هذه الأوبئة الفيروسية السابقة هي أمراض (حيوانية مشتركة)، أي أنها تصيب الحيوانات بالأساس وتنتقل بينها مسببة المرض، لكنها - وفي لحظة معينة - ونتيجة لبعض التغيرات التي تطرأ على تركيبها وصفاتها تكتسبت هذه الفيروسات القدرة على الانتقال من الحيوان إلى الإنسان.


حدث ذلك سابقا مع فيروس الهندرا الذي انتقل من الخفاش إلى الأحصنة ومنها إلى الإنسان، وكذلك مع فيروس إنفلونزا الطيور الذي انتقل من الطيور إلى الإنسان، وكذلك فيروس الإيبولا الذي انتقل من الغوريللا إلى الإنسان، وإنفلونزا الخنازير التي انتقلت من الخنازير للإنسان، والسارس من قط الزباد للإنسان، والإيدز من الشمبانزي للإنسان وغيرها.


ثانيا) تتشابه معظم الفيروسات المسببة للأوبئة في بساطة تركيبها، حتى إنه يمكننا تشبيه تركيب الفيروس إلى جوار تركيب خلية الإنسان بخيط من القماش إلى جوار حلة أو قميص محكم الخياطة والتطريز، و هنا تكمن المشكلة فهذه البساطة في التركيب لا تحافظ على ثبات شكل الفيروس ولا استقرار صفاته، بل تجعله عرضة و بشكل دائم للتجدد والتطور، يسمي علماء البكتيريا و الفيروسات هذه العملية ب(الطفر)، 


و بالطبع فكلما زادت فرص انتقال الفيروس من شخص إلى آخر كلما زادت احتمالية الطفر هذه، إلا أن هذه العملية لا تصب - في أغلب الأحيان - في مصلحة الفيروس واستمرار حياته، بل هي تجعله أكثر وهنا وأشد ضعفا، لكنه وفي بعض الحالات النادرة قد تكسب هذه العملية الفيروسات صفات إضافية جديدة تجعلها أكثر شراسة و أشد فتكا وقدرة على بدء نوبة جديدة من الوباء.


ثالثا) تتشابه معظم الأمراض الفيروسية السابقة في الأعراض اللي تسببها، ففي بداية الأمر يظهر المرض غالبا في شكل أعراض الإنفلونزا العادية أو أحد أدوار البرد كالعطس والرشح وآلام الحلق والمفاصل وارتفاع درجة الخرارة، ثم تبدأ بعدها الأعراض المميزة لكل فيروس بالظهور كالنزيف الذي يسببه فيروس الإيبولا.


 ومن الجدير بالذكر أن ما يلفت نظر العلماء دائما إلى بدء حدوث وباء ما هو ظهور نفس الأعراض على مجموعة كبيرة من البشر في نفس الوقت ونفس المكان تقريبا، حتى إن بعض العلماء يشبه هذا الأمر بتساقط قطع الدومينو، وكلما امتلكت الأمم في هذه اللحظات قواعد بحثية و علمية و طبية متطورة كلما امتلكت القدرة على سرعة اكتشاف الوباء ومسبباته والعمل على محاصرته سريع وكامل.


رابعا) دائما ما تكون الأطعمة والمشروبات هي المتهم الأول عند ظهور أي وباء.


خامسا) سهل السفر حول العالم من عملية انتشار بعض الأوبئة اللي تنتقل بالرذاذ، وهو ما يحلو للبعض تسميته بسفر الفيروس بالطائرة أو السفينة حول العالم.


سادسا) في معظم الأوبئة الفيروسية يكون القطاع الطبي من الأطباء والتمريض والفنيين هو أول من يدفع الثمن، وأول من يقدم ضحاياه من المرضى والوفيات.


ويبقى السؤال الأهم، كيف انتهت هذه الأوبئة السابقة؟


ربما تبدو الإجابة غريبة بعض الشيء بل وصادمة، وهي تكشف لنا ضعف الإنسان وجهله على كل ما بلغه من تطور علمي وتقني، فمعظم هذه الأوبئة السابقة انتهت بنفس الطريقة التي ظهرت بها، أي بدون تدخل مباشر من الإنسان وحتى بدون اكتشاف علاج مؤثر لها أو لقاح فعال ضدها، فقط كان اتخاذ الإجراءات الوقائية هو كلمة السر في انتهاء معظم هذه الأوبئة، ومن الغريب كذلك أن معظم هذه الأوبئة اختفى بنفس الطريقة وأحيانا بنفس السرعة اللي ظهر بها.


 وقد سبب هذا الاختفاء شبه المفاجيء حيرة كبيرة للعلماء على مر الغصور،ط وأثار عددا من التساؤلات في أذهانهم، ترى هل اختفى الفيروس نهائيا، أم لا يزال قابعا في مكان ما لا نعلمه؟ هل يمكن للفيروس أن يعاود الظهور من جديد في لحظة ما؟ ترى ما السبب في اختفائه؟ وما هي الأسباب التي قد تؤدي إلى ظهوره مرة أخرى؟.


إذا فالاحتمال الأكبر أن نهاية فيروس الكورونا لن تختلف كثيرا عن سابقيه، فهو في غالب الأمر سيختفي قبل اكتشاف علاج له، سيختفي فجأة كما ظهر فجأة.


وهنا سؤال يطرح نفسه، ما الذي يدفع الفيروسات للاختفاء بهذه الطريقة المحيرة دون علاج أو لقاح؟, حاول العلماء وضع فرضيات لتفسير هذه الظاهرة، و منها:


أولا) كلما انتقل الفيروس من شخص لآخر كلما واجه أجهزة مناعية مختلفة، وهذا يقلل بدوره من قوة الفيروس وشراسته في عملية تشبه إلى حد كبير عملية الترويض, وفيها تقل قدرة الفيروس على إحداث المرض أو (الإمراضية) pathogenecity كما يسميها العلماء.


ثانيا) وهو تفسير مبني على فكرة مفادها أن الفيروسات الذكية تحاول قدر الإمكان أن لا تقتل عائلها، فاستمرار العائل حيا يوفر للفيروسات مدة أطول وفرصة أكبر للبقاء و التكاثر، أما الفيروسات التي تقتل عائلها فإنها ستموت بالتبعية لأنها لن تجد بسهولة عائلا جديدا للعيش بداخله.


وبالتالي سيصبح أمام الفيروس أحد مسلكين، أولهما أن يقلل من شراسته مسببا قدرا ضئيلا من العدوى والمرض كي يحافظ على الإنسان (عائله) و بالتالي الحفاظ على بقاء حياته واستمرار سلالته، أو إنه سيظل شرسا للنهاية، وفي هذه الحالة سيتسبب في قتل عدد من البشر ذوي المناعة الضعيفه لكنه في النهاية سيموت معهم لأنه لن يستطيع الانتقال لإصابة أشخاص آخرين و بالتالي عدم القدرة على الحفاظ على حياته و سلالته.


يسمي العلماء هذه الظاهرة بقاعدة الطفيل الناجح، و شعارها ( لا تقتل عائلك) و (لا تحرق جسورك إلا بعد عبورها), و قد تناول عدد من العلماء هذه الفكرة في عدد من مؤلفاتهم، فيقول ويليام ه‍ ماكنيل في كتابه أوبئة الطاعون و الشعوب سنة ١٩٧٦ (إن جرثومة المرض التي تقتل عائلها سريعا تخلق أزمة لنفسها، ذلك لأنه يجب العثور على عائل جديد بطريقة ما للإبقاء على استمرار سلالتها).

كما كتب باستير: (أكثر الطفيليات كفاءة الذي يعيش في تناغم مع عائله).


إذا يمكننا في النهاية القول بأنه كلما اقترب الفيروس من ذروته كلما اقتربت نهايته، وسيصبح أمام فيروس الكورونا أحد طريقين، إما أن سلالته الشرسة ستموت مع من ستقتلهم من البشر، أو أن السلالات الأخرى ستتراجع عن شراستها لتحافظ على بقائها.


ولا نملك في النهاية إلا أن نرفع أكف الضراعة للمولى عز وجل أن يرفع هذا الوباء سريعا.

.

د عمرو أبوالحسن المنشد

مدرس  أمراض الصدر

كلية الطب - جامعة أسوان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.