التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بين موسى ابن عمران وعيسى ابن مريم (مقال ديني)


 


إن تلك المواقف التي أوردها القرآن الكريم عن رسول الله موسى تتجلى فيها بوضوح نزوع النفس البشرية واندفاعها دون تحفظ أو تكلف، وتكشف عن فيوض من مشاعر جارفة وانفعالات قوية تتملك صاحبها فلا يحاول كبتها أو التملص منها أو حتى التظاهر بعكسها. 

 

انفعال بشري واندفاع تراهما واضحين في شجاره مع الرجل من عدوه حين وجه له لكمة قاضية فأرداه قتيلا، وقلق إنساني تلحظه جليا في عينيه وهو يخرج هاربا مستخفيا من فرعون وجنده، وحاجة بشرية إلى الأنس والمشورة تلمحها ظاهرة في رجائه ربه أن يشرك معه أخاه هارون في أمر الدعوة ويشد به عضده. 

 

ثم ما تلبث أن تراه -سلام الله عليه- وقد ثار بداخله بركان من الغضب-حين يعلم بعبادة قومه للعجل- فما يكون منه إلا أن يلقي ما في يده من ألواح على الأرض فتتكسر ويممسك برأس أخيه هارون ولحيته يجره منهما تأنيبا له ولوما. 
ثم ترى فيه بعد ذلك لهفة المتعلم وإصراره على طلب العلم بل واستعداده لأن يمضي في سبيل ذلك حقبا، وترى فيه كذلك إلحاح طالب العلم على أستاذه بالسؤال متعجبا تارة ومستنكرا تارة أخرى كما في قصة الخضر. 

 

وهو كذلك رغم قوة بنيانه وبسطة جسمه لا يحاول الظهور بمظهر الشجاع الذي لا يهزم أو المقدام الذي لا يخاف، بل تراه يفر من عصاه غير معقب حين يراها تتحول إلى حية تسعة، وتراه يتوجس خيفة من أفعال سحرة فرعون حين يلقون عصيهم وحبالهم. 

 

كل هذه المواقف والانفعالات وغيرها تجعلك تشعر وكأنك أمام شخص تعرفه، شخص من أقاربك أو أصدقائك، إنسان عادي ككثير من البسطاء حولك فيهم من الاندفاع والغضب ومن الخوف والقلق ومن الحرص والرفق ومن شرف الكلمة وشهامة الرجولة. 
إنسانيات وانفعالات بشرية لا تكاد تلمس الكثير منها في سيرة نبي آخر كرسول الله عيسى ابن مريم مثلا،  والذي تشعر وأنت تقرأ سيرته أنك تقرأ سيرة بشر أقرب ما يكون إلى الملائكة في عصمته وحكمته وفي أقواله ومعجزاته وفي رقته ووجاهته، فيه حنان الابن البار بأمه ولطف الطبيب المعالج لمرضاه والإعجاز في ولادته ورفعه، لذلك عبر عنه القرآن في غير موضع بكلمة الله وروحه،  وربما كانت تلك الشخصية الملائكية في سيرة رسول الله عيسى سببا أساسيا في فتنة كثير الأقوام من بعده. 
وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول كما علمنا ربنا "لا نفرق بين أحد من رسله"  فصلاة الله وسلامه عليهم أجمعين وجمعنا بهم في فردوسه الأعلى مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.  

دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.