إن تلك المواقف التي أوردها القرآن الكريم عن رسول الله موسى تتجلى فيها بوضوح نزوع النفس البشرية واندفاعها دون تحفظ أو تكلف، وتكشف عن فيوض من مشاعر جارفة وانفعالات قوية تتملك صاحبها فلا يحاول كبتها أو التملص منها أو حتى التظاهر بعكسها.
انفعال بشري واندفاع تراهما واضحين في شجاره مع الرجل من عدوه حين وجه له لكمة قاضية فأرداه قتيلا، وقلق إنساني تلحظه جليا في عينيه وهو يخرج هاربا مستخفيا من فرعون وجنده، وحاجة بشرية إلى الأنس والمشورة تلمحها ظاهرة في رجائه ربه أن يشرك معه أخاه هارون في أمر الدعوة ويشد به عضده.
ثم ما تلبث أن تراه -سلام الله عليه- وقد ثار بداخله بركان من الغضب-حين يعلم بعبادة قومه للعجل- فما يكون منه إلا أن يلقي ما في يده من ألواح على الأرض فتتكسر ويممسك برأس أخيه هارون ولحيته يجره منهما تأنيبا له ولوما.ثم ترى فيه بعد ذلك لهفة المتعلم وإصراره على طلب العلم بل واستعداده لأن يمضي في سبيل ذلك حقبا، وترى فيه كذلك إلحاح طالب العلم على أستاذه بالسؤال متعجبا تارة ومستنكرا تارة أخرى كما في قصة الخضر.
وهو كذلك رغم قوة بنيانه وبسطة جسمه لا يحاول الظهور بمظهر الشجاع الذي لا يهزم أو المقدام الذي لا يخاف، بل تراه يفر من عصاه غير معقب حين يراها تتحول إلى حية تسعة، وتراه يتوجس خيفة من أفعال سحرة فرعون حين يلقون عصيهم وحبالهم.
كل هذه المواقف والانفعالات وغيرها تجعلك تشعر وكأنك أمام شخص تعرفه، شخص من أقاربك أو أصدقائك، إنسان عادي ككثير من البسطاء حولك فيهم من الاندفاع والغضب ومن الخوف والقلق ومن الحرص والرفق ومن شرف الكلمة وشهامة الرجولة.إنسانيات وانفعالات بشرية لا تكاد تلمس الكثير منها في سيرة نبي آخر كرسول الله عيسى ابن مريم مثلا، والذي تشعر وأنت تقرأ سيرته أنك تقرأ سيرة بشر أقرب ما يكون إلى الملائكة في عصمته وحكمته وفي أقواله ومعجزاته وفي رقته ووجاهته، فيه حنان الابن البار بأمه ولطف الطبيب المعالج لمرضاه والإعجاز في ولادته ورفعه، لذلك عبر عنه القرآن في غير موضع بكلمة الله وروحه، وربما كانت تلك الشخصية الملائكية في سيرة رسول الله عيسى سببا أساسيا في فتنة كثير الأقوام من بعده.وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول كما علمنا ربنا "لا نفرق بين أحد من رسله" فصلاة الله وسلامه عليهم أجمعين وجمعنا بهم في فردوسه الأعلى مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق