نشر هذا المقال بجريدة أسوان الحديثة
في عهد الراحل ا. احمد الزيات (نقيب صحفي أسوان)
عليه رحمة الله تعالى
* أدب الأوبئة:
و الأدب هو تلك المرآة التي تعكس واقع الشعوب من عادات و تقاليد، و أفراح و أتراح, و هزائم و انتصارات، و قد شكلت الأوبئة على مر عصورها أحد هذه الأوجاع التي فرضت نفسها على الأدب بصفة عامة و على الروايتين العالمية و العربية بشكل خاص، فوجد الروائي في هذه الأوبئة وسيلة ناجعة لعرض سلبيات مجتمعه بشكل صريح أحيانا و بصورة رمزية أحيانا أخرى.
ومن أشهر هذه الروايات التي تناولت قضية الأوبئة رواية (العمى) للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو، و التي عمد فيها إلى نوع غريب من الأوبئة و هو عمى من نوع خاص يرى فيه الشخص جميع الأشياء باللون الأبيض فقط، و هو يوظف هذا النوع من العمى في انتقاده ممارسات مجتمعه المذمومة من إصرار على الاستبداد و اغتصاب الحقوق رغم الوباء و المرض، و يعرض الكاتب كذلك لرغبة المجتمعات الموبوءة في العودة لحياتها التي كانت عليها قبل المرض و توقها إلى ولادة جديدة تنعم معها بحياة خالية من القهر و الاستبداد.
جاء على لسان إحدى شخصيات الرواية، و هي سيدة اختار الكاتب أن تكون الوحيدة التي لا تصاب بهذا المرض: "ما أصعب أن يكون المرء مبصرا ".
ومن ذلك أيضا رائعة الكاتب الفرنسي الأصل الجزائري المولد ألبير كامو (الطاعون) و التي حاز عنها جائزة نوبل للآداب, و فيها يتحدث كامو عن تفشي مرض الطاعون في مدينة وهران الجزائرية، مما يتسبب في عزل المدينة تماما و إغلاقها على أهلها منعا لانتشار المرض خارجها فتتحول وهران من مدينة هادئة وادعة إلى سجن كبير، و تعرض الرواية في ثناياها لذلك الصراع القائم بين رجال الدين الذين يرون في الطاعون عقابا إلهيا للبشر على ما اقترفوه من ذنوب و آثام، و بين رجال العلم الذي يحاولون اكتشاف علاج لهذا المرض.
ويرى كثير من النقاد أن طاعون كامو لم يكن طاعونا حقيقيا، و لا علاقة له بالجزائر بل هو طاعون رمزي قصد به كامو فرنسا التي اجتاحتها قوات النازية دون أية مقاومة تذكر.
(الحب في زمن الكوليرا) رواية عالمية أخرى حاز صاحبها الروائي جابريل جارسيا ماركيز جائزة نوبل للآداب، و فيها يعرض الكاتب لفكرة الإصرار على الحب المتمثلة في علاقة المراهق العاشق "فلورينتينو إريثا" بمحبوبته "فيرمينا داثا" و إصراره على الفوز بها رغم زواجها من “خوفينال أوربينو”، الدكتور العائد من دراسة الطب في فرنسا و الذي يعمل على معالجة داء الكوليرا في بلده.
وبعد واحد وخمسين سنة من اعترافه الأول بحبه لفرمينا يعود فلورينتينو في جنازة زوجها خوفينال و قد بلغ السبعين من العمر، ليكرر اعترافه بحبها و ليظفر بها أخيرا، و تنتهي الرواية بمشهد يجمع كل منهما على سطح سفينة رفع عليها علم الإصابة بداء الكوليرا، لتظل هكذا في معزل عن الناس، في إشارة للإصرار على الحب و صموده، و من أشهر ما جاء على لسان فلورنتينو أريثا في هذه الرواية: “ما يؤلمني في الموت هو ألا أموت حباً”
و من الروايات التي تناولت وباء الكوليرا كذلك رواية (موت في البندقية) للكاتب الألماني توماس مان، و فيها يحكي قصة كاتب ألماني يذهب في رحلة إلى مدينة البندقية، و هناك في الفندق يكتشف الفتى تادزيو الذي يظل يطارده و يسعى وراءه في شوارع البندقية، إلا أن البطل لا يلبث أن يموت في النهاية جرآء إصابته بوباء الكوليرا.
(دي كاميرون) للإيطالي جيوفاني بيكاتشو, عمل أدبي آخر نشر عام ١٣٥٣م، تعكس صفحاته روح عصره، و هو عبارة عن قصص عشر يرويها سبع نسوة وثلاثة شبان لجأوا إلى الريف لمدة عشرة أيام بسبب وباء الطاعون الذي ضرب "فلورنسا"، و هي تشبه في طريقة سردها كتاب "ألف ليلة وليلة".
يقول الأديب الإيطالي جيوفاني في مقدمة كتابه دي كاميرون: (كانت الجثث في فلورنسا تنتشر في كل مكان، تنهشها الحيوانات الضالة، إنه الطاعون الذي جعل الأباء والأمهات يفرون من أبنائهم المصابين ويتركونهم لمصيرهم...)
ومن الروايات التي يرى أنها تنبأت بانتشار فيروس كورونا المستجد رواية (عيون الظلام), و قد صنفت هذه الرواية كواحدة من أكثر الكتب مبيعا، و فيها يذكر الكاتب أن فيروسا جهز في المختبرات القريبة من مدينة ووهان الصينية، ينتشر في العالم فجأة، فيعاني كل من يصاب به من نوبات هستيرية متتالية تدفع بالمريض إلى تمزيق الأردية الواقية للأطباء الذين يأتون لأخذه للعزل، ثم يتبع ذلك موت المريض سريعا.
وكذلك رواية (نهاية العالم) للروائى ستيفن كينغ عام ١٩٧٨م، و الذي تنبأ فيها بأن نهاية العالم ستبدأ بشيء بسيط تافه مثل الإنفلونزا لكنها لن تكون إنفلونزا عادية، بل ستنتج عن فيروس متحور يدمر البشر حول العالم.
ولم تكن الرواية العربية بمعزل عن هذا كله، فهذا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يصف في رائعته (الأيام) وباء الكوليرا و كيف ضرب هذا الداء قريته فحصد فيها كثيرا من الأرواح حتى إنه أصاب أخاه الذي كان أمل أسرته في أن يصبح ذات يوم طبيبا مشهورا فقتله، يقول طه حسين معقبا: (الحزن كالوباء يوجب العزلة).
ولم تكن مؤلفات الراحل أحمد خالد توفيق من ذلك ببعيد، فقد جاء - بحكم مهنته كطبيب - على ذكر الأوبئة في كثير من مؤلفاته ككتاب (الموت الأصفر) الذي تحدث فيه عن الحمى النزفية و كتاب (الوباء) الذي عرض فيه عن وباء قاتل ينتشر في أحراش إفريقيا، و كذلك كتابه (عن الطيور نحكى) حيث يروي فيه قصة وباء فتاك لم يستطع الأطباء السيطرة عليه، فطفق يحصد الأرواح واحدة تلو الأخرى
وفي الختام يجدر بنا أن نتساءل هل ستفرز لنا جائحة الكورونا بحصادها المر من خسائر في الأموال و الأنفس و الثمرات أعمالا أدبية جديدة تثري الأدب عامة و فني القصة و الرواية بشكل خاص؟، هل تكون هذه الأعمال بمثابة الشراب في نصف الكوب الملآن؟، و هل سيولد من رحم هذه الجائحة جيل من الأدباء يحكي لنا أنه كان هناك ذات يوم وباء اسمه الكورونا؟
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
مايو ٢٠٢٠

تعليقات
إرسال تعليق