أمازلت تذكر يا صديقي تلك الرحلة التي كنا نخوض غمارها كل يوم في طريق عودتنا إلى المنزل.
كان أول ما يقابلنا عند بوابة معهدنا الأزهري -بعد انتهاء يومنا الدراسي- هو تلك العربة الخشبية التي تحمل فوق سطحها فرنا معدنيا صغيرا له مدخنة قصيرة ينبعث منها دخان ذو رائحة محببة إلى النفس وإلى البطن معا وقد أنهكهما الجوع بعد يوم طويل من الدراسة واللعب، دخان محمل برائحة عذبة هي رائحة البطاطا الساخنة التي كانت بمثابة المغناطيس الذي يجذبنا نحو العربة واالمخدر الذي لا نفيق من تأثيره حتى نجد أنفسنا وقوفا أمام البائع وقد وضع في يد كل منا قطعة من البطاطا المرشوشة بالبهار.
ولا أظنك يا صديقي تنسى كذلك كيف كنا ننفق ما تبقي من مصروفنا اليومي؟ وكيف كان زملاؤنا يفعلون به؟ كانوا يتكالبون على بائع الحلوى يشترون منه الكعك المحلى بالسكر وأعواد العسلية واللبان وقطع الملبس يملؤون بها جيوبهم ويذيبونها في أفواههم، أما أنا وأنت فكنا نولي وجهنا شطر بائع المخلل نبتاع منه بكل مصروفنا أو ببعضه مخلل الباذنجان والليمون والجزر نتسلى بأكله طوال طريق إيابنا إلى المنزل، فإذا ما أتينا على كيس المخلل كله ومررنا على سيدة تبيع بلح النارخ او حب العزيز ابتعنا منها بما تبقى معنا من مال، ثم نعكف بعد ذلك على واحدة من تلك الأزيار المرصوصة على جانبي الطريق فنكرع منها حتى نرتوي.
وكم من مرة نهينا أنفسنا عن هذا الهوى وتخلينا عن هذه العادة وكبحنا جماح تلك الملذة في سبيل المرور من ذلك الشارع الذي تسكن فيه تلك العجوز العابسة، فنشتري منها أظرف الحظ أو كما كنا نطلق عليها الشخت بخت، فلا نهدأ حتى تبتاغ أكبرها حجما وأثقلها وزنا أملا في الفوز بالكنز المنتظر والذي لم يكن له وجود سوى في مخيلتنا، ورغم بساطة ما كنا نجده في هذه الأظرف وتفاهته أحيانا إلا أننا لم نكف يوما عن زيارة عجوزنا البائسة ولا عن شراء أكياس البخت منها...
ولا أظنك يا صديقي تنكر مثلي أنها عجوز عابسة وبائسة، فمنذ رأينا ذلك القبر المغطى بالقماش الأخضر يتوسط فناء منزلها البسيط حتى أصابنا كل الذهول وانتابنا أشد العجب، وظللت أنا وأنت عمرا نتساءل عن سر ذلك المقام وسبب وجوده في بيتها، وبعد سنوات علمنا أنه لأحد أبنائها لكننا لم نعرف حتى يومنا هذا متى مات هذا الابن؟ او كيف مات؟ ولماذا أصرت تلك الأم المكلومة أن يكون قبره في منزلها؟ ولماذا جعلت ذلك المقام حوله؟
أتذكر كذلك يا صديقي ذلك الفتى البغيض الذي كان يكبرنا بأعوام وكان يتعمد إيقافنا وزملاءنا في كل مرة نمر فيها من أمام بيته؟ كان كثيرا ما يضايقنا ويستعرض عضلاته أمامنا ثم ما يلبث أن يطلب منا الوقوف أمامه في طابور نظامي لنؤدي له التحية، فإذا ما رفضنا ذلك وعصينا له أمره كشر لنا عن أنيابه وعاجل كل منا بلكمة، فنركض هاربين ويركض خلفنا، فينجو من لكماته من ينجو وتصيب لكماته من تصيب.
أواه أواه ... ما أجمل تلك الرحلة يا صديقي وما أروعها... كان الطريق فيها على طوله قصيرا وعلى مشقته يسيرا، تضاريسه ماتزال محفورة في ذاكرتي، وبيوتاته ماتزال عالقة في ذهني وكأنها قد بنيت في وجداني قبل أن تبنى على الأرض.
يتبع

تعليقات
إرسال تعليق