التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلامة أبوالأرانب (ج٢)



أمازلت تذكر يا صديقي تلك الرحلة التي كنا نخوض غمارها كل يوم في طريق عودتنا إلى المنزل. 

كان أول ما يقابلنا عند بوابة معهدنا الأزهري -بعد انتهاء يومنا الدراسي- هو تلك العربة الخشبية التي تحمل فوق سطحها فرنا معدنيا صغيرا له مدخنة قصيرة ينبعث منها دخان ذو رائحة محببة إلى النفس وإلى البطن معا وقد أنهكهما الجوع بعد يوم طويل من الدراسة واللعب،  دخان محمل برائحة عذبة هي رائحة البطاطا الساخنة التي كانت بمثابة المغناطيس الذي يجذبنا نحو العربة واالمخدر الذي لا نفيق من تأثيره حتى نجد أنفسنا وقوفا أمام البائع وقد وضع في يد كل منا قطعة من البطاطا المرشوشة بالبهار. 

ولا أظنك يا صديقي تنسى كذلك كيف كنا ننفق ما تبقي من مصروفنا اليومي؟ وكيف كان زملاؤنا يفعلون به؟ كانوا يتكالبون على بائع الحلوى يشترون منه الكعك المحلى بالسكر وأعواد العسلية واللبان وقطع الملبس يملؤون بها جيوبهم ويذيبونها في أفواههم،  أما أنا وأنت فكنا نولي وجهنا شطر بائع المخلل نبتاع منه بكل مصروفنا أو ببعضه مخلل الباذنجان والليمون والجزر نتسلى بأكله طوال طريق إيابنا إلى المنزل، فإذا ما أتينا على كيس المخلل كله ومررنا على سيدة تبيع بلح النارخ او حب العزيز ابتعنا منها بما تبقى معنا من مال، ثم نعكف بعد ذلك على واحدة من تلك الأزيار المرصوصة  على جانبي الطريق فنكرع منها حتى نرتوي. 

وكم من مرة نهينا أنفسنا عن هذا الهوى وتخلينا عن هذه العادة وكبحنا جماح تلك الملذة في سبيل المرور من ذلك الشارع الذي تسكن فيه تلك العجوز العابسة،  فنشتري منها أظرف  الحظ أو كما كنا نطلق عليها الشخت بخت، فلا نهدأ حتى تبتاغ أكبرها حجما وأثقلها وزنا أملا في الفوز بالكنز المنتظر والذي لم يكن له وجود سوى في مخيلتنا، ورغم بساطة ما كنا نجده في هذه الأظرف وتفاهته أحيانا إلا أننا لم نكف يوما عن زيارة عجوزنا البائسة ولا عن شراء أكياس البخت منها... 

ولا أظنك يا صديقي تنكر مثلي أنها عجوز عابسة  وبائسة،  فمنذ رأينا ذلك القبر المغطى بالقماش الأخضر يتوسط فناء منزلها البسيط حتى أصابنا كل الذهول وانتابنا أشد العجب،  وظللت أنا وأنت عمرا نتساءل عن سر ذلك المقام وسبب وجوده في بيتها، وبعد سنوات علمنا أنه لأحد أبنائها لكننا لم نعرف حتى يومنا هذا متى مات هذا الابن؟ او كيف مات؟ ولماذا أصرت تلك الأم المكلومة أن يكون قبره في منزلها؟ ولماذا جعلت ذلك المقام حوله؟ 

أتذكر كذلك يا صديقي ذلك الفتى البغيض الذي كان يكبرنا بأعوام وكان يتعمد إيقافنا وزملاءنا في كل مرة نمر فيها من أمام بيته؟ كان كثيرا ما يضايقنا ويستعرض عضلاته أمامنا ثم ما يلبث أن يطلب منا الوقوف أمامه في طابور نظامي لنؤدي له التحية، فإذا ما رفضنا ذلك وعصينا له أمره كشر لنا عن أنيابه وعاجل كل منا بلكمة، فنركض هاربين ويركض خلفنا، فينجو من لكماته من ينجو وتصيب لكماته من تصيب. 

 أواه أواه  ... ما أجمل تلك الرحلة يا صديقي وما أروعها... كان الطريق فيها على طوله قصيرا وعلى مشقته يسيرا، تضاريسه ماتزال محفورة في ذاكرتي، وبيوتاته ماتزال عالقة في ذهني وكأنها قد بنيت في وجداني قبل أن تبنى على الأرض. 


يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.