التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ربيع العمر (قصة قصيرة)



* تمهيد:

"الغضب والتعصب يعميان الانسان عن الفهم الصحيح". المهاتما غاندي


جلست بجواره أتأمل ملامحه وقد اشتعل رأسه شيبا وغارت عيناه وتجعد جلد وجهه, كانت يداه وشفتاه ترتعشان نتيجة إصابته بمرض الرعاش (الباركنسونيزم).

قال لي بثقته المعهودة في نفسه: لو مش إحنا اللي نتعب ونستحمل علشان شركتنا تكبر مين اللي هيستحمل!.

نظرت إليه مبتسما وهززت رأسي موافقا و محاولا امتصاص بعض آلامه.

تذكرته كيف كان منذ أربعين عاما حين التقيته -لأول مرة- هو وأربعين آخرين من زملائنا قدموا من جميع أنحاء الجمهورية للعمل بالشركة الجديدة.

كان متقد الحيوية, حماسيا إلى درجة الاندفاع, تحدوه آمال عريضة نسجها لنفسه كانت في أغلب الأوقات آمال خداعة تحلق به تارة في سماء الخيال فلا تلامس قدماه أرض الواقع وتارة أخرى تدس رأسه في التراب فلا يرى للواقع أية سلبية.

لم يكن صديقي أكثر منا جدا واجتهادا في العمل لكنه كان يجيد دائما التحدث عن نفسه وعن إنجازاته التي ربما لم يشعر بها غيره, كان يحرص دائما على أن يظل بينه وبين رؤسائه في العمل خيط لا ينقطع رغم أنه كان في أغلب الأوقات يمقتهم.

قال لي وهو يمد يده المرتعشة نحو علبة سجائره: إنت عارف أول قرار هاخده بصفتي المدير الجديد للشركة إيه؟.....أي حد هيسيء للمكان هشوته بالجزمه.

تذكرت ذلك اليوم الذي تقدم فيه ثلاثة من أصدقائنا باستقالاتهم اعتراضا على أسلوب إدارة الشركة, كان ذلك منذ أربعين عاما, يومها هاج صاحبي وماج واتهمهم بالانهزامية والخيانة, قال لي يومها: أحسن خلي الشركة تنضف من أمثالهم.

ثم مرت الأيام وقرر أربعة آخرون ترك الشركة والسفر إلى الخارج, لم يكن نصيبهم من الاساءة والتعنيف بأقل من سابقيهم, فقد قال عنهم يومها مستهزئا: دول ما بيفهموش في الشغل أساسا.

كانت الأيام تمضي وكان صديقي يخسر كل يوم صديقا, حتى لم يبق في الشركة سوى ثلاثة نفر كان هو رابعهم, كان الجميع يعلم أنه يهيء نفسه لشغل منصب كبير في الإدارة،  وإن أنكر هو ذلك مرارا و تكرارا, لكنه وعندما تم تجاوزه بتصعيد من هو أصغر منه سنا ليصبح مديرا عليه لم يتمالك نفسه فانهارت أعصابه وأصابته نوبات من الهيستريا،  كان يبالغ خلالها في الحديث عن أمجاد مزعومة ويتمادى في السخرية والتحقير من الاخرين, ثم بدأت تظهر عليه علامات المرض الرعاش, عندها قررت إدارة الشركة تحويله إلى لجنة طبية متخصصة أوصت بضرورة إيقافه عن العمل وإحالته إلى التقاعد.

قطع حبل أفكاري صوت طرقات على باب الغرفة, فانتبهت فإذا بالممرضة تستأذن في الدخول لتعطي صاحبي حقنته المهدئة....أعطته الحقنة وانصرفت, لم تمض ثوان معدودات وكان صديقي يغط في نوم عميق.....قبلت جبينه وسالت من عيني دمعة بللت جبهته......غادرت المصحة النفسية وأنا ألعن طموحا أعمى صاحبه عن رؤية الواقع وأفقده أعز ما يملك, ووجدت نفسي أردد قول الحق تعالى: ((ولا تمشي في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا)).

.

عمرو أبوالحسن

يوليو ٢٠١٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.