ومازلت أبحث عن الجمال في كل شيء وأفتش عنه في كل حين، فالجمال عندي هو غاية كل قول وبغية كل عمل، وهو خير شاهد على إتقان الصانع صنعته وإجادة العامل عمله.
أولست ترى الأمم العظيمة إذا هي بلغت أوج قوتها و سنام مجدها عمدت إلى الجمال فأبرزت به تليد أمجادها وخلدت به عظيم سيرتها؟، وما معابد الفراعين ورسوم أهل الصين من ذلك ببعيد، وإنها لخير شاهد عليه وأكبر دليل، وما انكباب الباحث -في معمله- على دقيق أجهزته وعديد تجاربه إلا إدمان نظر في جميل خلق الله ودقة صنعه، وما انكفاء العالم -في عزلته- على عظيم كتبه وكثير مخطوطاته إلا إبحار في محيطات من جمال العلم اللا متناهي.
وما شغفك سوى قمة شعورك بجمال العمل، تذوقه تارة فتتلذذ به، فتكثر منه فيسكرك، ثم ما تلبث أن تعتاده وتدمنه، و إنك لترى الكاتب قد بلغ من شده شغفه بالكتابة حدا لا يهدأ معه باله حتى يهرع للجمال بين أسطر أوراقه ومداد قلمه، وترى الشاعر لا تسكن نفسه حتى يلوذ بالجمال بين قوافي أبياته وأوزان شعره، وكذا المثال لا يسعد إلا حين يركن للجمال في تفاصيل نحته وعجين صلصاله.
وإنك لتعجب لرجلين، يبيعك أحدهما اللوحة أو الكتاب لا يرى منهما سوى القماش أو الورق، بينما يبيعهما لك الآخر وهو يتغزل في جمال الرسم و براعة الراسم، يمتدح روعة الفكرة وصنعة الكاتب، فلا تفيق إلا وقد غرق وأغرقك في تفاصيل من الجمال لا حدود لها ولا نهاية لروعتها.
وإنك لن تعدم أن ترى جمالا في كل ما حولك، تبصره في الكون الواسع بنجومه وأجرامه وتراه في الخلايا الضيقة بعضياتها وفي الجسم بتفاعلاته، تسمعه تارة في تلاوة شيخ وابتهالاته وتارة أخرى في ملاغاة طفل وضحكاته، وتشمه مرارا في رائحة ياسمين وريحان و تذوقه كثيرا في حبات عنب وتوت ورمان.
ودقق النظر في أخلاق الناس وعباداتهم، فما عظيم الأخلاق إلا أجملها، وما إحسان معاملة الناس إلا بديع القول لهم وجميل الصنيع أليهم, وما إحسان العبادة لله إلا تجميلها، وما الدين إذ يدعونا للطهارة وأخذ الزينة عند كل مسجد إلا دعوة متكررة لجمال في جمال، وما الرب حين خلقنا فأحسن صورنا إلا جميل يحب الجمال.
وانظر إلى نفسك حين يعجبك الشيء بشدة، فإنك تبحث عما تعبر به عن شدة إعجابك هذا فلا تجد سوى أن تصيح بملء فيك: "الله ... الله" تمط حروف الكلمة مطا وتمدها في النطق مدا, فكأنما لفظ الجلالة هو خير ما يصف الجمال المتناهي وهو أبلع ما يعبر عن إعجابنا بالشيء الذي تعجر عن وصفه الكلمات.
وإن من أجمل ما نظم في الشعر، ما قاله إيليا أبو ماضي:
عش للجمال تراه العين مؤتلقا ..
في أنجم الليل أو زهر البساتين.
فعش للجمال، فإنه من عمي عن الجمال فقد عمي عن الله.
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
ديسمبر ٢٠٢٠

تعليقات
إرسال تعليق