التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلامة أبوالأرانب (ج١)




أعلم أنك تقرأ كلماتي الآن وتُحسها كما كنتَ دائما معي تقرأني وتُحسني، وكما كنت أنا دائما معك أشعر بك وأفطن لأمرك، لقد كنا ومازلنا-يا رفيقي- أكثر من صديقين، شاء القدر أن يجعلنا متلازمين في كل شيء ... في نشأتنا وتربيتنا  ...  في تعليمنا وعملنا، حتى في أسفارنا المتعددة كنتَ دائما بجانبي وكنتُ دائما بجانبك

لقد تشاركنا اللقمة وشربة الماء، وتقاسمنا البسمة ونسمة الهواء، صحيح أنك لمتني كثيرا وأنني عاتبتك غير مرة لكن لم يحدث يوما أن افترقنا أو تخاصمنا؛  فقد كنتَ يا عزيزي بمثابة القرين لي وكنتُ بمثابة القرين لك

وإني كلما حاولت أن أتذكر ذلك اليوم الأول الذي عرفتك فيه أو تلك اللحظة الأولى التي أبصرت فيها وجهك لا أكاد أظفر من ذلك بشيء سوى ببضع مشاهد لنا في الكُتّاب حيث كنا نحفظ القرآن أو بين أثاث منزلكم القديم حيث كنا نلهو ونلعب

لا أذكر من ذلك سوى جسدك النحيل وأنت تجلس منكمشًا في أحد أركان الكتّاب ممسكا في يدك قلما من الخشب أخذت تغمس طرفه المدبب مرارًا في دواة من الحبر الأسود ثم تكتب به على لوح رقيق من المعدن تلك الآيات من القرآن الكريم التي سنحفظها في ذلك اليوم

كنا نكتب الحروف مُشَكّلةً، ثم نأخذ في ترديد اللوح طوال اليوم حتى نحفظ كل ما كتب فيه من آي، وفي الصباح نمسح ما كتبنا بالأمس ليعود اللوح براقا جاهزا لنخط عليه تلك الآيات الجديدة التي سنحفظها، كنا نتباهى أنا وأنت بما حفظنا وإلى أي أجزاء القرآن وصلنا

كما أذكر ذلك اليوم الأول الذي ذهبنا فيه سويا إلى ذلك المعهد الأزهري بالمدينة، صحيح أنني لا أذكر كثيرا من تفاصيله لكن مازال طعم (شطائر) مربى التين التي تناولناها سويا-في تلك المدة القصيرة بين حصص الدرس والتي يسمونها (الفسحة)- في فمي، وماتزال صورة ذلك الشيخ الضخم ذو الجلباب والعمامة الذي كان يردد على مسامعنا في حصص القرآن آيات سورة النصر مطبوعة في ذاكرتي

عرفتك يا صديقي مجتهدا ملتزما منذ يومنا الأول في الدراسة، ورأيت كيف كان الأساتذة يقدمونك على غيرك من التلاميذ ويكلفونك أحيانا بتحفيظهم القرآن الكريم في تلك الحصص التي يتغيب عنها مدرسوها،  وإن أنسى فلا أنسى أبدا وجه أستاذ اللغة العربية الذي كان يرسم لنا حروف الهجاء على السبورة يعلمنا نطقها مفتوحة ومضمومة ومكسورة حين اعتلته علامات الإعجاب والانبهار وهو يراك-وأنت التلميذ في يومه الأول في المدرسة- تقرأ عناوين الدروس من الكتاب دون تتعتع أو تعثر، حتى إنه أراد اختبارك فأخرج من حقيبته جريدة وطلب منك أن تقرأ عناوينها، ولما لم تخيب ظنه تهللت أساريره وجذبك من يدك فرحا مهرولا نحو غرفة المدير يخبره بذلك الطفل الذي أبهره

علمت منك بعدها يا صديقي أن مدير المدرسة قابل انبهار أستاذك بفتور وتململ وأنه هز رأسه غير مكترث قائلا للأستاذ: وماذا علي أن أفعل!!ا

هل تذكر ذلك اليوم يا صديقي؟  أتذكر ما الذي أحزنك؟ لم يكن رد المدير ولا عدم اكتراثه،  بل كان ما أحزنك هو أنك حين عدت إلى الفصل وجدته فارغا؛ فقد انتهى اليوم الدراسي ورحل الزملاء جميعا إلى بيوتهم، وكان عليك أن تعود إلى البيت وحيدا، مضيت يومها معك نقطع الطرقات نحو المنزل ونطوي الأزقة،  نشرب من أزيار الماء و نتجنب الكلاب الضآلة، نتأمل البيوتات ونعد المحال التجارية


يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.