التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصلحون في ميزان الحكام والسلاطين

 


مهما كانت قضيتك التي تدافع عنها عادلة، فإنها في أنظار أنصار السلطة وبطانة الحاكم خيانة وهي في ميزانهم جهل وضلال، خاصة إذا ما لامست تلك القضية مصالحهم أو بعضا منها.

يروي التاريخ مواقف عدة شوهت فيها الحقيقة وقلبت فيها المباديء ونحي فيها المنطق جانبا، من أجل نصرة مصالح


• ((هوجة عرابى)) 

هكذا سميت ثورة عرابي وقتها وهي التي قامت في وجه ذلك التمييز الذى عانى منه الشعب المصري لصالح الأتراك والجراكسة الذين تولوا المناصب القيادية داخل الجيش وكافة المؤسسات الرسمية بالمملكة. قاد عرابى هذا الحراك متجهًا إلى قصر عابدين وسط جماهير واسعة من الشعب للقاء الخديوى توفيق، وعرض عليه المطالب الشعبية والتي تمثلت في زيادة عدد الجيش المصري إلى ١٨٠٠٠ جندي، وتشكيل مجلس شورى النواب، وعزل وزارة رياض باشا.

إلا أنه وبعد عودة عرابي من المنفى هوجم هجوما شديدا وأهين إهانات بالغة واتهم بالخيانة و كأن طلبه للعزة له ولوطنه هو السبب في الاحتلال الانجليزب لمصر وليس الخديوي الذي استعان بالاجنبي، حتى إن أحمد شوقي كتب يذمه في مطلع قصيدة له قائلا: 

صغار فى الذهاب وفى الإياب .....  أهذا كل شأنك يا عرابى


• ((الإمام ابن حنبل ... الكافر المبتدع))

ويروي التاريخ عن محنة الإمام أحمد بن حنبل أن الخليفة المعتصم أمر بحبسه فى سجن ضيق مظلم ووضع القيود فى يديه، ثم أجريت له في السجن مناظرات عدة مع أئمة المعتزلة فى محاولة لإثنائه عن رأيه وقوله بأن القرآن كلام الله -عز وجل- وليس بمخلوق، وعندما فشلوا في محاولاتهم تلك دفع ذلك أحد مناظريه وهو أحمد بن دؤاد أن يفتى المعتصم بأن ابن حنبل ضال مبتدع وكافر يجب قتله. وبالفعل فقد جلد الإمام أحمد في سبيل رأيه جلداً عنيفا وعذب عذابا شديدا ومازال ثابتا على رأيه لم يغيره قيد أنملة.


• ((زعيم الخوارج عمر المختار))

أما شيخ المجاهدين عمر المختار والذي يعد رمزا خالدا لمقاومة المحتل والدفاع عن حرية البلاد واستقلالها ضد كل مستعمر غاصب، فقد جاهد ضد الإحتلال الإيطالي رغم كبر سنه، ولم يشفع له ذلك عند مشائخ السلطان الذين اقتوا بأنه من الخوارج وأطلقت عليه الصحف يومها لقب(زعيم العصاة).


• ((الأنبياء والمرسلون))

أما الأنبياء في دعوتهم للحق والإصلاح فقد نالهم من هذا التشويه الكثير، فهذا نبي الله موسى اتهمه فرعون بأنه ضال يريد أن يفسد على الناس دينهم، وكانت تهمة نبي الله لوط وأتباعه أنهم اناس يتطهرون، واتهم نوح عليه السلام بالجنون، أما خاتم النبيين محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد اتهم بالسحر وبالشعر وبالجنون.


والحكمة من ذلك كله أنك إذا ما ظفرت بالحق فلا يرهبنك محاولة البعض إطفاء نوره، ولا يغرنك تزييف واقع، ولا يثبطنك تشويه حاضر أو تاريخ، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.


دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد

أغسطس ٢٠١٨

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.