كان فناء المدرسة يا صديقي هو عالمنا الأكبر وأرضنا الأرحب، هناك كان اللعب وكان اللهو وهناك كانت الضحكات والأهازيج،
مازلت أذكر غرفة حارس المدرسة وقد كُتب على بابها بالطباشير الأبيض وبخط عريض "هنا يرقد توت عنخ آمون"
ومازلت أذكر فرق التمريض والأطباء التي كانت تأتي إلى المدرسة كل حين فتجلس تحت شجرة من أشجار الفناء ثم تعطي كل واحد منا أنبوب اختبار زجاجي نملأه بعينة من البول ليقوموا بعد ذلك بفحصه، وكم كنا نتعجب من جدوى مثل هذا الفحص وأهميته خاصة ونحن نرى زملاءنا يملؤون أنابيب الاختبار بماء الصنبور تارة أو يتقاسمون عينات بولهم تارة أخرى.
كانت الفسحة هي الملهم الأكبر لمخيلتنا والداعم الأقوى لرغباتنا، كنا نجتمع فيها أنا وأنت ورهط من الزملاء على خوان واحد نتشارك في تحضيره ونشارك في الإجهاز على ما به من طعام، كان كل واحد منا يجلب من بيته صنفا من المأكولات، فهذا يأتي بالخبز وذاك يأتي بالجبن وثالث يأتي بثمار الطماطم والخيار وربما غالينا في تحضير الخوان فجلبنا الفول وأقراص الطعمية.
كانت الأحاديث تدور على ألسنتنا -حول الخوان- كما تدور أيادينا على صنوف الطعام، فهذا عبدالله يحدثنا عن والد صديقه الذي اشترى له إنسانا آليا يشبه ذلك البطل الكارتوني الخارق (مازنجر) والذي يصل طوله إلى ثلاثة أدوار، ويستفيض في وصف امكانيات هذا الآلي مازنحر وكيف يمكنه إطلاق الصواريخ من يده والإشعاع من عينيه، وهذا محمد يحدثنا عن جده الولي الذي طارده بعض الفسدة فظل بهرب منهم حتى ألجؤوه إلى ساحل البحر، ولما أيقن أنه مدرك وضع منديله على سطح الماء ووقف عليه فسار به المنديل في البحر كما تسير السفينة في الماء، ثم يحدثنا خلف عن حمار المسيخ الدجال الذي يشبه حمار عمه عوض وكيف أن أحد أذنيه تُفضي إلى الجنة بينما تُفضي أذنه الأخرى إلى النار.
كنا نتجمع هكذا كل يوم او يومين، فنأكل ونتحدث وربما أغرى تجمعنا هذا بعض الأساتذة فشاركونا تناول الطعام، وربما أغرى تجمعنا كذلك مدير المدرسة فطلب منها التوجه إلى بوابة المعهد كي نساعد في نقل كراتين التغذية من العربة إلى مخزن المدرسة، وربما انتهينا من طعامنا فانطلقنا لنلعب ألعابنا الغريبة كالكمائن والاختباء والجري والمصارعة.
إلى أن جاء يوم لا أظنك تنساه مثلي يا صديقي ولا أظنه يُمحى من الذاكرة، ذلك اليوم الذي عدنا فيه إلى الفصول بعد فسحة ممتعة، وما إن شرعت المعلمة في شرح درسها، حتى أصاب المدرسة هزة عنيفة وسمعنا أصوات انفجارات عالية، لم نفهم ما يحدث...أخذت الفتيات يصرخن ويبكين، وأخذ الصبية يتصايحون ويتدافعون، أما أنا وأنت فقد اختبأنا أسفل مكاتبنا كما قيل لنا من قبل وكما قرأنا في تلك الكتيبات التي وُزعت علينا بعد أسابيع معدودة من زلزال القاهرة.
أخذت قصص الموتى والناجين تتابع على مخيلتنا الصغيرة وتساءلنا عن ذلك المصير المجهول الذي ينتظرنا عندما يسقط على رؤوسنا سقف المدرسة فنظل تحت ركامه أياما عدة في ظلام دامس بلا مطعم أو مشرب... ظللنا هكذا لدقائق أو لساعات لم ندري هل أطال بنا الزمن أم قصر.....
يتبع

تعليقات
إرسال تعليق