أخذنا نقطع السوق بخطى سريعة وأنفاس لاهثة، نشق عباب الباعة والجائلين، نخترق الزحام بين المنادين على حزم الفجل والصائحين على حزم الجرجير، نمر تارة على بائع للطماطم وهو ينادي "يا أحلى من التفاح" وتارة على بائع للفقوس يصيح "البلدي... البلدي"
نرقب من بعد حلاقا يقصر شعر أحد زبائنه، وعطارا يزن بعض الأعشاب لأمرأة عجوز، ودكانا كُتبت على أحد. حوانبه هذه الأحرف بشكل رأسي (ا ل د م ر د ا ش) فجعلنا نحاول تجميع الحروف وقراءتها، فقرأناها
(الدم.. رداش) وتساءلنا ما الذي يقصده صاحب الدكان بردش الدم؟؟
ثم تسمرنا حينا ونحن نرقب بائعا للسمك وهو يزيل بضربات ماهرة خاطفة من ساطوره ما غطي أسماكه من قشور وما طال منها من أطراف، وجعلنا نحملق حينا آخر في بائعة للحمام وهي تضع جرعات من الماء في فمها لا تزدردها وإنما تحبسها ثم تضع منقار حماماتها واحدة تلو الأخرى في فيها لتسقيها من ذلك الماء.
ثم مضينا في سيرنا بين الحوانيت والمقاهي وعربات الحلوى والفول، وبينما نحن أمام بائع للجُلّاب يذب عنه ما حام حوله من ذباب إذ طرق طبل آذاننا صوتٌ مألوف ينادي عليك، فانتبهنا والتفتنا... فإذا هو أبوك يسألنا ما الذي جاء بنا إلى السوق؟ وما الذي أوصلنا إليه؟
فلما قصصنا عليه القصص وعلم بأمر تيهنا، تعجب من تصاريف الأقدار ولطفها، ثم استأجر لنا عربة (حنطور) حملتنا وسارت بنا إلى حيث منزلنا بعد أن ابتاع لكل منا كيسا كبيرا من النبق استجابة لطلبك بتلبية رغبة رفيقنا فيه.
لم تمر أيام طويلة يا صديقي حتى أرسلت لجنة المسابقة إلى المعهد خطابا تهنئه فيه بحصولك على المركز الأول في المسابقة ونشر اسمك في إحدي الجرائد المحلية.
ثلاثون عاما يا صديقي أو يزيد مرت على تلك اللحظة لكني مازلت أذكرها كما لو كانت البارحة، لم تفهم يومها ما معنى محافظات الصعيد تلك التي حصلت على المركز الأول عليها لكنك كنت فرحا مغتبطا؛ لما تراه من فخر في عين والديك وفرحة في وجه معلميك.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق