التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلامة أبوالأرانب (ج٥)



أخذنا  نقطع السوق بخطى سريعة وأنفاس لاهثة، نشق عباب الباعة والجائلين، نخترق الزحام بين المنادين على حزم الفجل والصائحين على حزم الجرجير، نمر تارة على بائع للطماطم وهو ينادي "يا أحلى من التفاح"  وتارة على بائع للفقوس يصيح "البلدي...  البلدي"

نرقب من بعد حلاقا يقصر شعر أحد زبائنه، وعطارا يزن بعض الأعشاب لأمرأة عجوز، ودكانا كُتبت على أحد. حوانبه هذه الأحرف بشكل رأسي  (ا ل د م ر د ا ش) فجعلنا نحاول تجميع الحروف وقراءتها،  فقرأناها

(الدم.. رداش) وتساءلنا ما الذي يقصده صاحب الدكان بردش الدم؟؟ 

ثم تسمرنا حينا ونحن نرقب بائعا للسمك وهو يزيل بضربات ماهرة خاطفة من ساطوره ما غطي أسماكه من قشور وما طال منها من أطراف، وجعلنا نحملق حينا آخر في بائعة للحمام وهي تضع جرعات من الماء في فمها لا تزدردها وإنما تحبسها ثم تضع منقار حماماتها واحدة تلو الأخرى في فيها لتسقيها من ذلك الماء. 

ثم مضينا في سيرنا بين الحوانيت والمقاهي وعربات الحلوى والفول، وبينما نحن أمام بائع للجُلّاب يذب عنه ما حام حوله من ذباب إذ طرق طبل آذاننا صوتٌ مألوف ينادي عليك، فانتبهنا والتفتنا... فإذا هو أبوك يسألنا ما الذي جاء بنا إلى السوق؟ وما الذي أوصلنا إليه؟ 

فلما قصصنا عليه القصص وعلم بأمر تيهنا، تعجب من تصاريف الأقدار ولطفها، ثم استأجر لنا عربة (حنطور) حملتنا وسارت بنا إلى حيث منزلنا بعد أن ابتاع لكل منا كيسا كبيرا من النبق استجابة لطلبك بتلبية رغبة رفيقنا فيه. 

لم تمر أيام طويلة يا صديقي حتى أرسلت لجنة المسابقة إلى المعهد خطابا تهنئه فيه بحصولك على المركز الأول في المسابقة ونشر اسمك في إحدي الجرائد المحلية.

ثلاثون عاما يا صديقي أو يزيد مرت على تلك اللحظة لكني مازلت أذكرها كما لو كانت البارحة،  لم تفهم يومها ما معنى محافظات الصعيد تلك التي حصلت على المركز الأول عليها لكنك كنت فرحا مغتبطا؛ لما تراه من فخر في عين والديك وفرحة في وجه معلميك. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.