التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا رسل عبقر؟ (مقال أدبي)



في صيف عام ٢٠١٣م قدمت إلى أسوان أول مرة قاصدا جامعتها، ومن خلف شبابيك القطار كان أول لقاء بها، لقاء قابلني فيه أول ما قابلني تضاريسها الفريدة وبيوتاتها المتنوعة، تضاريس لم يسبق لي أن رأيت لها مثيلا او شاهدت لها نظيرا، حتى أنتابني شعور وأنا المسافر إلى أعماق أعماق مصر أني أسافر بعيدا بعيدا عنها، بعيدا عن البشر والزحام وعن المباني والمنشآت، أسافر إلى حيث الطبيعة غناء والجمال فتّان وإلى حيث الهدوء والسكينة، وإلى حيث يمتزج عبق الحضارتين الفرعونية والنوبية مع كل ركن من أركان المكان وكل مرحلة من مراحل الزمان ... فكان حقا على مشاعري أن تُثار وكان لزاما على أحاسيسي أن تتدفق.

في ذلك الوقت تحديدا كنت منكبا على قراءة الشعر الجاهلي، منهمكا في تتبع سير أصحابه وقارضيه، فتارة أشارك امرؤ القيس نزقه ونزواته، وتارة أخرى أقاسم عنترة فخره ونضاله، ثم أبصر النابغة الذبياني في خيمته محكما بين الخنساء وحسان بن ثابت، وأرقب عبيد بن الأبرص بين يدي النعمان بن المنذر في يوم بؤسه، فذقت معهم حلاوة الكلمة وطلاوتها وخبرت على أيديهم سحر البادية وجمالها، فأحببت أن يشاركني الأخرون هذا السحر وتمنيت لو يقاسموني تلك الحلاوة.

ثم لم يمض وقت طويل حتى شرعت في إعداد رسالة دكتوراة في فرع حديث من فروع الطب ألا وهو طب النوم وما يعتريه من أمراض وعلل، فاطلعت خلال ذلك على ما في هذا العلم من قضايا غامضة واكتشفت كثيرا من أموره الملغزة، وخبرت ما به من إثارة وما يحويه من تشويق.

فاجتمعت عليّ وعلى قلمي في نهاية الأمر شُغُفٌ ثلاثة، شُغُفٌ ألحت عليّ وعلى قلمي إلحاح الرضيع على أمه كي أصف ما أراه من حسن وأسجل ما أحس به من جمال، فعقدت العزم على أن أمزج بين ثلاثتها مزج الألوان معا وأنسج من خيوطها عملا واحدا، فولِدت حينها رسل عبقر.

كان التحدي الذي واجهني حينها هو كيفية تحقيق هذا المزج كي يظهر مؤتلفا متناغما في غير تنافر أو شذوذ، ولم يمض وقت طويل حتى وجدت ضآلتي في الميثولوجيا العربية القائلة بأن لكل شاعر من العرب قرين من الجن يلقنه شعره ويسكن واديًا يُدعى عبقر، ليصبح ذلك الوادي وما يدور فيه من أحداث وأحاديث هو المحور الأساسي للرواية والذي يمكن الانطلاق منه للحديث عن الشعر الجاهلي وسير شعرائه، شكل ذلك خطا زمنيا من الرواية سار متوازيا مع خط زمني آخر حديث أمكن من خلاله إلقاء الضوء على معالم أسوان التاريخية وحضارتها النوبية من خلال سيرة ذلك الشيخ النوبي الصوفي المتعصب لارضه وحضارته والذي يعاني من اضطرابات في نومه ويملك مخطوطة أثرية شكلت حلقة الوصل بين خطي الرواية الزمنيين (الماضي والحاضر).

وفي النهاية لقد حاولت من خلال هذه الرواية إلقاء حجر في ماء راكد علّه يكون شرارة محفزة لإعادة قراءة الشعر العربي والاطلاع على سير أصحابه بشكل مثير شيق بعيد عن الرتابة والملل، فإن كنت نجحت في مقصدي هذا فمن عند الله، وإن كنت أخفقت فمن نفسي والله الموفق.

د عمرو أبوالحسن


متوفرة من خلال:
🚩 دار فصحى للنشر والتوزيع
🚩 أسوان- مكتبة ماجي- شارع البلدوزر- برج طيبة الطبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.