التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من مذكرات مدرس مساعد بطب أسوان (ج١)



الجزء الأول:  ثلاثة أعوام من العزلة

تمهيد:  هذه كلمات ربما لن تهم الكثيرين أو تضيف إليهم، لكني آثرت تدوينها لأنها تحفظ بعض نعم الله على عبده فعله يكون له من الحامدين، وتعترف بجميل من وقفوا بجانبه فحق عليه أن يكون لهم من الشاكرين، وتخلد جهد فتية صبروا وصابروا وجدوا فوجب - وإن تجوهلوا - أن يكونوا من المقدرين، وربما كشفت فيما تكشف زيف مدع أو حكم قاسط كان ومازال لقولهم وفعالهم من المنكرين القالين.


ثلاثة أعوام مرت على صاحبنا منذ أن تسلم عمله معيدا بكلية الطب حديثة الإنشاء، ثلاثة أعوام قضى منها مايزيد عن الثلاثمئة يوم نوباتجيا بين جدران المستشفى الجامعي الجديد، فإذا أضفنا إليها واجبات أخرى كساعات تدريس أوعيادات خارجية أومرور على المرضى ربت تلك الأيام الثلاثمئة على السنة الكاملة.

سنة كاملة لم يرى فيها صاحبنا سوى مرضى أو من يمرضهم، قضى منها ما يقرب من الستة أشهر في عزلة تامة وعمل متواصل، توفي عمه فلم يجد مندوحة للسفر والعزاء سوى أن يواصل عمله ستا وخمسون ساعة تجرعهم علقما، وكسرت ساق زوجته فما اسطاع أن يرافقها وما استطاع أن يغادر عمله أربع ليال وخمسة أيام حسوما، رأى بعض من أوسد إليهم الأمر فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، يحدث هذا كله تحت مرآى و مسمع منهم فلا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، فهل عرض أحدهم على صاحبنا سويعات يريح فيها جسده؟ أم هل عرض عليه أحدهم هدنة يلتقط فيها أنفاسه؟، كلا والذي نفس الفتى بيده بل كان يقابل كل طلب للراحة بالرفض وكل رجاء للأجازة بالسخرية، كان يقال له ولمن معه: (أنتم تجاهدون على ثغر) وكان يقال: (أنتم تبنون مكانكم للمستقبل) وكان يقال: (العمل العمل)، فإذا مرت الأيام أبدت لصاحبنا ما كان جاهله فما هذه الأقوال وغيرها سوى شعارات درج البعض على استعمالها ليضمن استمرار العمل دون ملم يقض مضجعه أو هم يعكر صفوه فإذا أتيحت الفرصة لهتكها هتكت وتيمم الخبيث منها يطبقون وليسوا بآخذيه إلا أن يغمضوا فيه، فإذا سئموا من شكوى صاحبنا ومن معه عاجلوهم بقولهم: (استقيلوا يرحمكم الله)، فعرفهم وهم له منكرون وأسرها في نفسه وهم عنها ساهون.


شاء القدر أن يكون ثاني اثنين تقدما لشغل هذه الوظيفة وتقرر قبولهما،لم يدر في خلده يوما أن يقبل فربما لو كان ثالث ثلاثة لما خط هذه الكلمات أو ربما خطها من مكان آخر ولكنه القدر، سارع صاحبنا في تسلم عمله الجديد فهو ومنذ أن تخرج في كلية الطب وكلف في وزارة الصحة لم يشعر تجاهها وتجاه المسؤولين فيها إلا كل مقت وكراهية، كان يعجب من أولئك الأطباء القابعين على كراسيهم في مديريات الصحة وإداراتها كأصنام منذ عهد الجاهلية، حتى علا الظلام أدمغة الكثيرين منهم بل وقلوبهم كما يعتلي التراب أكوام الملفات المهملة فوق أرفف أرشيف مؤسساتهم، نسى أكثرهم الطب فأصبحوا لايرى من أغلبهم إلا بقايا أطباء أو أشباههم ولا يشم من أكثرهم إلا كل بغضاء و حقد خاصة إن أنت سألتهم تأشيرة لاتمام إمتحان أو إنهاء رسالة علمية.

كان يوم ذهاب صاحبنا إلى المديرية أو الإدارة يوما أسود يستغفر الله قبله ألف مرة ومرة ويطلب منه الثبات آلافا وآلافا فهناك ستلقي من يتعامل معك على أنك جثة هامدة كل مهمتها أن تملأ مكانا به عجز في منطقة إدارته، وهناك ستجد من يسخر من كل طموح علمي قد يراودك، وهناك ستلقى من يتلذذ بعرقلة كل محاولة منك للاستزادة من العلم أو إضافة خبرة جديدة، هذا ما حدث مع صاحبنا بالفعل فقرر أن يخوض معركته معهم حتى النهاية ولم يدر بخلده أن النهاية ربما تكون قريبا بل أقرب إليه من شراك نعله فما هي إلا أشهر قليلة حتى تلقى خطاب تعيينه معيدا بكلية الطب ليسارع إلى تسلم عمله الجديد مخلفا وراءه أكواما من الشكاوى والقضايا ضد هؤلاء المسؤولين تنظر أمام النيابة الإدارية و لجان الشكوى بوزارة الصحة.


كانت الأمور تنبيء  بصعوبات كثيرة تلوح في الأفق، لكن صاحبنا كان يتذكر في كل مرة  تظهر له عقبة ثلاث سنوات أخرى خلت من عمره حين أتيحت له الفرصة ليتعلم شيئا جديدا، كانت هذه الفرصة بالنسبة للكثيرين يومها دربا من دروب السفه والجنون فسعيك للعمل كطبيب مقيم في مستشفى جامعي جديد (كطب قنا) دون أية ضمانات بمرتب شهري أو تجديد سنوي أو حتى تسجيل لدراسات عليا كان بالنسبة للكثيرين إهدار لمزيد من الوقت والمال، لكنها الأيام أو إن أردت الصواب فقل إنه القدر يرسم لنا مانعجز عن رسمه لأنفسنا بالورقة والقلم، فما هي إلا بضعة أشهر حتى فرجت كل هذه الهموم وكأن القدر ينتظر أن يرى منك السعي فإن أيقن بصدق نيتك أتاك بالفرج يغرقك به من حيث تدري ولا تدري، هذا درس عاشه صاحبنا ووعاه فصار يتذكره كلما ألقى القدر في طريقه عقبة أو حاول.


وللذكريات بقية ولكن آفة مستشفانا النسيان

عمرو أبوالحسن

فبراير ٢٠١٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.