وفي لحظات انتهى كل شيء، اشرأب كل منا بعنقه ينظر ما جرى حولنا؟ كان كل شيء في مكانه، الجدران في مكانها والأبواب والمكاتب، وضوء الشمس يخترق النافذة كعادته إلى عيوننا، أخذنا نتحسس رؤوسنا ونقلب أيادينا، ونحن نحمد ربنا .... فالسقف لم يخر علينا ومازلنا نرى أيادينا ونتنفس.
ساد في المكان هرج ومرج كبيران وكانت المعلمة ترتعد في شبه غيبوبة.... مع الوقت أخذت الأمور تعود تدريجيا لطبيعتها،
أخذت الأقاويل والتكهنات تترى، فهذا زميل يَدّعي أن عددا من المكاتب والمقاعد التي رصت فوق بعضها البعض بالخطأ قد سقطت تباعا محدثة هذه الهزة وتلك الجلبة، وادعى آخر أن إطار إحدى السيارات قد انفجر، بينما زعمت المعلمة أنها لمحت من نافذة الفصل ملثما يقفز من سيارة وبيده رشاشا أخذ يطلق النار منه تجاه معهدنا.
لم نعرف أي هذه الاحداث كان صحيحا ولم نهتم حينها بالسبب؛ كان كل ما يهمنا ويشغل بالنا هو أن حالنا قد تبدل من بعد الخوف أمنا وأننا سنعود إلى بيوتنا في سلام وعافية، حزم كل منا حقيبته ثم انطلقنا نحو بيوتنا، لكن فضولك يا صديقي في ذلك اليوم طغي علينا، فأبيت إلا أن نغير طريق عودتنا إلى المنزل ونسلك طريقا آخر هو ذلك الطريق الذي زعموا أن الحادثة قد وقعت فيه وان الملثم قد فعل فيه فعلته.
لم يكن أمامي يومها من خيار آخر يا صديقي، فسلكنا معا طريق الحادثة، وكم هالنا ما رأينا؛ فقد كانت عربات الشرطة تملأ المكان وتغلق كل شبر فيه، وكان ضباط الشرطة وجنود الأمن المركزي يصطفون بزيهم الأسود على جانبي الطريق وضفتي الترعة لأمتار طويلة.
وأخيرا وصلنا إلى بيوتنا ولم نفهم بعد ما حدث في الطريق وما جرى لنا، وفي المساء بدأت الأمور تنجلي شيئا فشيئا؛ فقد قام أحد المسلحين بالاعتداء على أتوبيس يقل عددا من السائحين الأجانب وهم في طريقهم إلى مدينة الأقصر، ولسوء حظنا فقد قرر هذا المسلح أن ينفذ عمليته بالقرب من معهدنا، ويبدو أن بعض طلقاته قد طاشت فأصابت بالخطأ جدران معهدنا، ثم لاذ بعدها بالفرار نحو السوق حيث تمكن أحد المارة هناك من امساكه.
كانت تلك يا صديقي هي المرة الأولى التي نسمع فيها قصة كهذه وتطرق آذاننا كلمات كالإرهاب والإرهابيين، وكباقي زملاء طفولتنا لم تستوعب عقولنا الصغيرة ما علاقة الدين بفعل كهذا وكيف ظن من فعل فعلته تلك بأنه ينصره.
يتبع
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق