تمهيد:
أيها الموت انتظرني خارج الأرض .. انتظرني في بلادك ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي. - محمود درويش (شاعر فلسطيني)
يستيقظ مفزوعا من نومه وكأنه عائد لتوه من العالم الآخر. يدثر نفسه مستغفرا ربه، يالها من حقيقة مفزعة سأموت يوما ما وأدفن وحيدا تحت التراب!، كانت فكرة الموت تراوده منذ أن تسلم عمله بالعناية المركزة، كثيرا ما كان يسأل نفسه كيف هو الموت؟، تذكر ذلك اليوم الذي رأى فيه روحه وكأنها تقبض كان كل ما تمناه حينها بضع دقائق يودع فيها أبناءه، ترى هل يكون هذا شعور من يموت؟.....سأل ربه العفو و الرحمة و نهض متثاقلا عن مضجعه، أغرق وجهه بالماء في محاولة لانتشال نفسه من واقع الموت إلى واقع الحياة العملية، إحتسى كوب الشاي بسرعة و ارتدى ملابسه في ملل شديد ثم توجه إلى المستشفى ليتسلم نوباتجيته بالعناية المركزة
كان يجر خطاه الثقيلة إلى العمل جرا وهو يتذكر رد أحد أساتذته في طب العناية المركزة عليه حين سأله يوما بنبرة المحبط البائس لماذا يموت معظم من ندخلهم إلى العناية؟ فتبسم أستاذه ضاحكا من قوله وقال: (عبارتك في حاجة إلى بعض التعديل، فليس كل من ندخله إلى العناية يموت ولكن كل من سيموت ندخله إلى العناية).....منذ ذلك اليوم تغيرت نظرته للطب و للموت، فليس لكل مايعانيه المرء دواء، أحيانا كثيرة لا يملك الطبيب سوى أن يوفر لمريضه موتا أفضل أو كما يقولون في الغرب (دعه يموت في سلام let him die in peace)، كان يتمنى أن يمر يومه دون أن يضطره القدر لمواجهة إحدى هذه الحالات، كان يراجع شريط ذكرياته أسماء الحالات أوصافهم، تفاصيل لحظاتهم الأخيرة التي كتب القدر أن يجعله أحد أبطال مشهدهم الأخير.
خالد فتى في السابعة عشر من العمر، تسرب التليف إلى رئتيه شيئا فشيئا حتى أتلفهما تماما و أبقاه أسير جسد هزيل و أسطوانة الاكسجين أصبحت صديقه اللدود، يكرهه بشدة ولا يستطيع العيش بدونه، حاول ذات مرة أن يفعل كما يفعل أقرانه فألقى أسطوانة الأكسجين جانبا وخرج يرتع ويلعب، وماهي إلا ساعات أحضره عمه إلى العناية المركزة محمولا وقد ازرق لسانه ووجهه، حاول الأطباء إسعافه فتم إمداده بالأكسجين والعقاقير اللازمة، بدأ يستعيد وعيه تدريجيا وما إن فتح عينيه حتى طلب أن يرى أمه وأمام إلحاحه الشديد أدخلها الأطباء نظر إليها خالد نظرة المودع وأشار إليها قائلا : (سلام يا أمه أنا خلاص هموت)، ثم نظر للطبيب وقال:(خلاص يادكتور مالوش لازمة الأكسجين أنا هروح)، دقائق مرت قبل أن يرفع خالد يده إلى السماء وكأنه ينظر إلى شخص أو أشخاص لا نراهم ثم صاح قائلا: (حاضر..... جايلك ياسيدي جايلك) بعدها سقطت يده وارتخى جسده واستدارت عيناه للأعلى وتوقف قلبه.
سماح فتاة في العشرين من العمر هجرها خطيبها إثر خلاف حاد بينهما فقررت الانتحار بشرب صبغة للشعر، حاول الأطباء نجدتها فقاموا بشق قصبتها الهوائية خوفا من اختناقها بسبب تورم لسانها وأجزاء فمها، لكن التعطل الحاد في وظائف أجهزتها المختلفة كان أكبر وأسرع من محاولات الأطباء، وهاهي الآن تتقلب على سريرها بالعناية وكأنها سمكة حية تقلى في زيت مغلي، تحاول الاعتدال تارة فيساعدها الأطباء وما إن تعتدل حتى يسقط جسدها على السرير تارة أخرى وكأن أحدا يركلها في وجهها أو جسدها، تنزع كمامة الاكسجين ووصلات الأجهزة تارة وكأنها تحاول الهرب وتتركها مستسلمة تارة أخرى وكأن أحدا يقيدها، ظلت على هذه الحال ساعات طويلة إلى أن هدأ جسدها إلى الأبد.
علام سائق في عقده الرابع أحضر إلى العناية المركزة فاقدا لوعيه تماما بعد أن أسرف في تناول الخمر وجرعات كبيرة من العقاقير المخدرة، حاول الأطباء إسعافه حتى كاد أحدهم أن يتقيأ من شدة نتن رائحة فمه وهو يحاول تركيب أنبوبة حنجرية له، تم توصيله بجهاز التنفس الإصطناعي لكنه ظل هكذا فاقدا لوعيه و معلقا بين اللا حياة واللا موت مدة أسبوعين كاملين قبل أن يتوقف قلبه فجأة عن الحركة.
مسعد رجل في عقده الخمسين تاجر ثري و مريض كبد مزمن، دخل إلى العناية في حالة فقدان غير كامل للوعي، ظل يوما كاملا مغمض العينين يهزي بأحاديث غير مفهومة، كان يقول بصوت واضح وكأنه يحدث شخصا لا نراه: (والله أنا مظلوم أنا كنت هرجعهم له تاني، أنا ماكنتش هاكلهم عليه....ثم يصمت قليلا ليعود لهذيانه من جديد فيقول: ( لا ما ترحمنيش ما ترحمنيش) يكررها ثلاثا أو أربع ، ظل على حالته هذه يوما كاملا حتى مات.
الحاجه خديجة جدة في السبعين من العمر تمكن الورم من رئتيها فقضى عليهما ثم تسلل منتشرا إلى مخها و باقي أجزاء جسدها، حتى أفقدها كثيرا من قواها العقلية واستيعابها لما حولها، كانت تهلوس بقصص قديمة عن الموتى ثم يعود لها وعيها فجأة فتسأل عن أبنائها ماتت وهي تردد لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
يناير ٢٠١٦
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق