التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من مذكرات مدرس مساعد بطب أسوان (ج٣)

 



الجزء الثالث: الجندي المجهول

"هذا هو ديدن الحروب يا صديقي يسحق فيها صغار الجند ليرفع رايات النصر كبار قادتهم، ثم مايلبث أن يصنع هؤلاء لؤلئك صنما من حجر يسمونه الجندي المجهول يضعون عليه أكاليل الورد وبعض الكلمات المستهلكة وعبرة تمساح ربما تطايرت أمام عدسات صحفي أو مقدم برامج تلفزيوني"

قالها وهو يستخرج من وجبة الغذاء جثة بعوضة ميته، ألقاها جانبا بعد أن لوح بها في الهواء وكأنه يقول للفتى ومن معه: مفيش فايدة، وفي الحقيقة كانت وجبة الغذاء هي الشيء الوحيد الذي ظل صامدا طوال هذه السنوات الثلاث فلم يتغير، فقليل من الأرز المعجن مع قطع صغيرة من اللحم كريه الرائحة و شيء من البطاطس أو الفاصولياء الباردة كان دائما هو قوام وجبة الغذاء لطبيب يعمل مدة أربعة وعشرين ساعة وربما أكثر.

كادت كلماته أن تغرق الفتى في بحر من الأفكار حاول أن يغمس رأسه فيه عله يجد واقعا مخالفا لما حكاه ويحكيه لكن زميله هذا لم يمهله كثيرا فانتشله ولما تبلل الأفكار ركبتيه، قال لهم بنبرة ملؤها التيه والتحدي: (ثلاثة سنوات انقضت أتحداكم أن تقلبوا في دفاتر ذاكرتكم فتخرجوا منها يوما أشادت فيه الإدارات المتعاقبة بصغار أطبائها أو شجعتهم، أو أن تجدوا يوما كوفئ فيه طبيب لأنه تميز في عمله، ثلاث سنوات مرت أسألكم أن تراجعوا شريط ذكرياتكم ثانية بثانية فتخبروني عن ذلك الشخص الذي لجأتم إليه حين ألمت بكم الخطوب فانتصر لكم وأنصفكم، يا سادة يؤسفني أن أخبركم أنكم عراة، تتكئون على منسأة أكلت منها دآبة الأرض وستخرون قريبا، ثلاث سنوات عجاف لن تعقبها سنوات سمان لتأكل أو تؤكل).

أخذ الفتى ينبش ذاكرته يفتش فيها هنا وهناك فلا يجد غير يوم صبت فيه الإدارة نقدها على الأطباء صبا لأنهم رفضوا العمل خارج تخصصهم حفاظا على أرواحهم وأرواح مرضاهم، فتش وفتش فما وجد غير شخص أو شخصين وقفا بجانبه وهما أبعد ما يكونا عن هذه المنظومة ، أخذ يبحث عن تلك المكافآت فلا يجد غير إدارات متعاقبة تسارع إلى مرتبات الأطباء فتشبعتها خصما وتوسعها تمزيقا لا لشيء إلا أنهم نسوا أن يدغدغوا جهاز البصمة بأصابعهم أو عجزوا عن ذلك.

ولجهاز البصمة هذا قصة طريفة، فلست أشك ولا أظنك أيضا تشك في أن مثل هذه الأجهزة وغيرها قد وضعت لتحقيق العدالة والحيادية، إلا إنه في جامعتنا أصبح له شأن آخر، فقد أضحى هذا الجهاز رمزا فجا للتحيز و وأد العدالة بل و مصدرا للتندر والسخرية على تخبط الإدارات وتضارب قراراتها، فقد تم إقرار العمل به رغم تصويت أغلب الأقسام ضده، ومع ذلك لن تجد مدرسا مساعدا أو معيدا في طول هذه الجامعة وعرضها يتوجه إلى جهاز البصمة غير أولئك الذين يعملون بالمستشفى الجامعي أما من يعمل بالكلية أو باقي الكليات فهم غير ملزمين بذلك، ثم إذا جئنا إلى من هم داخل المستشفى فإنك ستجد أقساما يضطر أطبائها للبصمة بينما تعفى من ذلك أقسام أخرى، وربما وجدت داخل القسم الواحد من يجبر على البصمة بينما يعفى منها آخر، ثم تتنوع بعد ذلك القرارات بشأن عدد البصمات لمن يبصم فتارة عشرون بصمة شهرية متصلة وتارة عشرون متفرقة وتارة ستة عشر بصمة متصلة وتارة منفصلة، وهكذا دواليك.


وللذكريات بقية لكن آفة مستشفانا النسيان

عمرو أبوالحسن

مايو ٢٠١٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية رسل عبقر (تساؤلات)

  رواية رسل عبقر (من معازف الجن)             تأليف:  د. عمرو أبوالحسن المنشد            ماذا فعل قرين عنترة بن شداد ليساعده على التخلص من ال عبودية؟ و لماذا فشل قرين امرؤ القيس في ثنيه عن الأخذ بثأر أبيه؟  وكيف احتال لافظ بن لاحظ للتخلص من عبيد بن الأبرص وقتله على يد المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة؟ وه ل تأثر النابغة الذ بياني ببخل قرينه؟ ما علاقة الشيخ النوبي ومخطوطته الأثرية بوادي الجن  (عبقر)؟ و لماذا كان يتردد على طبيب متخصص في أمراض النوم؟  و كيف استطاع الطبيب الشاب بعد رحلة طويلة في قرى مدينة أسوان ومعالمها اكتشاف السر وراء الشيخ ومخطوطته ؟    احصل عليها من خلال دار نشر فصحى للنشر هاتف: ٠١٠٢٨٤١٧٩٤٠ هاتف: ٠١٠٦١٣١٨٦٣٧

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

رواية ميرعنخ بالعربية (غلاف)