وإني لأذهب للعيادة مثاقلا إلى الأرض، أجر إليها قدمي جرا وأعد نحوها الخطا عدا، فكأنما أدعى إلى قيد أو لكأنما أساق إلى أسر؛ فهي لعقلي موضع كمال لن يبلغ وهي لنفسي مكان لوم لا يقطع.
فهذا الزائر الذي يقف ببابك حاملا آلامه وهمه، شاكيا علته وسقمه، ينتظر منك الكثير ويتوقع منك من الخير الجزيل، وهو لا يعلم أنه بتوقعه هذا قد قيد رقبتك, فوضع فوق أحمالك حملا وأضاف إلى واجباتك واجبا؛ فهذا واجب الإنصات إليه وأنت أحوج ما تكون للحظة صمت، وهذا واجب الحديث معه وأنت أضن الناس بالكلام، وهذا واجب الفحص والتوجيه والمتابعة وأنت أحرص الناس على العزلة وأشدهم كلفا بها وحبا لها.
ثم إنك تجد نفسك - بما سبق للمريض عندك من عقد وبما عاهدت عليه الله من قبل - مدفوها لمعرفة مصيره وإن ولى دبره، متسائلا عن مآله وإن يمم وجهه شطر آخر، لا تكتفي بما يوجبه عليك قانون وشرع من بذل عناية وجهد بل تتخطاه إلى ما لا طاقة لك به فتلزم نفسك نتيجة وحلا.
واجبات بعضها فوق بعض، وهموم تتراكم حول النفس حتى إذا بحثت عنها لم تكد تراها، هموم وواجبات أتحملها طواعية وكرها، كرها لأني أعشق الحرية وأكره كل قيد والتزام، وطوعا لأني أحب العلم ما قرب منه إلى الله وما نفع. وأنت في كل ذلك لا تملك إلا أن تحرص على الإتقان وإن لم تبلغه وأن تمسك بالإجادة وإن لم تدركها.
وإنك لتراني أخرج من مكاني طربا فرحا، فكأنني عصفور أطلق من محبسه، أو لكأن رقبتي - مع كل مريض يشفى- قد أعتقت، أو لكأن ربقتي - مع كل جرح يلتئم - قد فرجت.
وإني لأعجب بعد هذا كله من طبيب يرى مريضه رقما وعددا، يرص الواحد جنب الواحد، يضرب في الأعداد ضربا ثم يجمعها جمعا، حتى إذا ما انتهى لم يدر ماذا فعل أو يفعل.
فاللهم عونا عونا
واللهم ثباتا ثباتا
د عمرو أبوالحسن
يوليو ٢٠٢٢

براڤو❤️❤️❤️
ردحذف