التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنا والعيادة (مقال أدبي)


وإني لأذهب للعيادة مثاقلا إلى الأرض، أجر إليها قدمي جرا وأعد نحوها الخطا عدا،  فكأنما أدعى إلى قيد أو لكأنما أساق إلى أسر؛ فهي لعقلي موضع كمال لن يبلغ وهي لنفسي مكان لوم لا يقطع.

فهذا الزائر الذي يقف ببابك حاملا آلامه وهمه، شاكيا علته وسقمه، ينتظر منك الكثير ويتوقع منك من الخير الجزيل، وهو لا يعلم أنه بتوقعه هذا قد قيد رقبتك, فوضع فوق أحمالك حملا وأضاف إلى واجباتك واجبا؛ فهذا واجب الإنصات إليه وأنت أحوج ما تكون للحظة صمت، وهذا واجب الحديث معه وأنت أضن الناس بالكلام، وهذا واجب الفحص والتوجيه والمتابعة وأنت أحرص الناس على العزلة وأشدهم كلفا بها وحبا لها.

ثم إنك تجد نفسك - بما سبق للمريض عندك من عقد وبما عاهدت عليه الله من قبل - مدفوها لمعرفة مصيره وإن ولى دبره، متسائلا عن مآله وإن يمم وجهه شطر آخر، لا تكتفي بما يوجبه عليك قانون وشرع من بذل عناية وجهد بل تتخطاه إلى ما لا طاقة لك به فتلزم نفسك نتيجة وحلا.

واجبات بعضها فوق بعض، وهموم تتراكم حول النفس حتى إذا بحثت عنها لم تكد تراها، هموم وواجبات أتحملها طواعية وكرها، كرها لأني أعشق الحرية وأكره كل قيد والتزام، وطوعا لأني أحب العلم ما قرب منه إلى الله وما نفع. وأنت في كل ذلك لا تملك إلا أن تحرص على الإتقان وإن لم تبلغه وأن تمسك بالإجادة وإن لم تدركها.

وإنك لتراني أخرج من مكاني طربا فرحا، فكأنني عصفور أطلق من محبسه، أو لكأن رقبتي - مع كل مريض يشفى- قد أعتقت، أو لكأن ربقتي - مع كل جرح يلتئم - قد فرجت. 

وإني لأعجب بعد هذا كله من طبيب يرى مريضه رقما وعددا، يرص الواحد جنب الواحد، يضرب في الأعداد ضربا ثم يجمعها جمعا، حتى إذا ما انتهى لم يدر ماذا فعل أو يفعل.


فاللهم عونا عونا

واللهم ثباتا ثباتا


د عمرو أبوالحسن 

يوليو ٢٠٢٢

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.