ليس بالعلم و لا بالمال وحدهما تبني الأمم نهضتها، وإنما بقدر تمسكها بقيمها عند الشدائد و إصرارها على الالتزام بها عند الخصومه، فقد تمتلك المجتمعات إرثا عظيما من القيم لكنها ما إن تتعرض لمحنة حتى تخلع ثوب قيمها لتصبح عارية قبيحة أمام نفسها والآخرين، و ربما يكون الرجل من دعاة الأخلاق فإذا ما وقع في خصومة ارتد على عقبيه فكان ممن قيل فيهم إذا خاصم فجر وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، وبقدر قوة هذه القيم و صلابة التمسك بها تبني الأمم نهضتها و يخلد الرجال مواقفهم.
يروي علماء السيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عاد من الطائف منعته قريش من دخول مكة حتى أجاره المطعم بن عدي وقد كان كافرا، فلم يمنعه كفره بالاسلام من أن يتمسك بقيمه فكان له في نفوس المسلمين حتى اليوم احتراما كبيرا، والمجتمع الجاهلي ظل متمسكا بكثير من قيمه رغم انحطاطه وفساده فكان يصر على قرى الضيف و حرمة الدم في الأشهر الحرم وغيرها من القيم التي كان لها دور ليس بالقليل في الحفاظ على الدعوة.
وهذا الشيخ العز بن عبدالسلام الذي أصدر فتواه بعدم جواز تولي المماليك للولايات والمناصب، لأنهم في حكم الشرع عبيد، والعبيد لا تجوز إمارتهم للأحرار، وقد هزت هذه الفتوى أركان الدولة المصرية يومها وتم محاولات عدة لثني الشيخ عن هذه الفتوى، لكن صاحب القيم أصر على فتواه وخلع نفسه من منصب القضاء احتراما لقيمه وأخلاقه، فاضطر الملك الصالح نجم الدين أمام صلابة الرجل واصراره أن يعرض امراءه من المماليك للبيع كعبيد ثم قام بشرائهم واعتاقهم ودخلت الأموال جميعها بيت مال المسلمين.
وليس خافيا على أحد موقف الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن و الذي ظل ثابتا على قيمه وعلمه أمام الخليفة المأمون والمعتزلة رغم تنكيل النظام به و تعذيبهم له، فأصبح ثباته بمثابة طوق النجاة للأمة كلها.
عندما حاول العسكر في تركيا الانقلاب على النظام خرج رئيس حزب الشعب التركي المعارض قائلا: الديموقراطية هي الدفاع عن القيم المشتركة.
إذا فالمجتمعات التي تتمسك بقيمها عند الشدائد والمحن هي وحدها القادرة عل. بناء المجد والنهضة، أما تلك التي تتخذ من قيمها مادة للسخرية، تؤمن ببعضها و تكفر بأكثرها، تزيفها بحسب أهوائها، تمجد على حسابها الشخوص وتبدي عليها كسرة الخبز و شربة الماء، لهي مجتمعات ساقطة منحطة سيظلمك قاضيها عند الخصومة، و يعاقبك مديرها عند انتقاده، ويبخسك حقك أستاذها إن أنت خالفته الرأي.
يقول شوقي:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ....... فأقم عليهم مأتما وعويلا
إن أول ما يجب أن نبحث عنه الآن هو قيمنا و الإصرار على تطبيقها والتمسك بها رغم أحقادنا و مشاعرنا، فلا يحرمنا شنآن قوم على ألا نعدل، فالقيم والقيم وحدها هي الضامن لهذا المجتمع والمنقذ له مما وصل إليه، قل لي ما هي قيمك عند الخصومة أقل لك من أنت.
دكتور/ عمرو ابوالحسن المنشد
اكتوبر ٢٠١٦
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق