التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفارقات في حياة عمر (مقال ديني)



يقول العقاد في كتابه عبقرية عمر: (قلت لنفسي:إن كنت قد أفدت شيئا من مصاحبة عمر بن الخطاب وسيرته وأخباره , فلا يحرجنك أن تزكي عملا له كلما رأيته أهلا للتزكية , وإن زعم زاعم أنها المغالاة , وأنه فرط الإعجاب).

ولعل أشد ما يثير إعجابك في شخصية الفاروق هي تلك المفارقات في حياته, فعمر الذي قال عنه أحد الصحابة ذات يوم وهو يخاطب زوجته:"لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب",هو نفسه عمر الذي قال عنه عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- بعد ذلك:"إن إسلام عمر كان فتحا,وإن هجرته كانت نصرا,وإن إمارته كانت رحمة",بل إنه ارتقى إلى المرتبة التي جعلت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول عنه:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعمر الذي وأد ابنته في الجاهلية ولم يلن قلبه لها حتى وهي تنفض الغبار عن لحيته,هو نفسه عمر الذي فزع حينما سمع بكاء طفل فأسرع إلى أمه يسألها عن السبب,فأجابت بأنها تحاول أن تعجل في فطامه لأن الخليفة عمر لا يفرض إلا للمفطوم,فإذا بعمر يبكي حتى لا يستبين الناس قراءته في الصلاة من شدة البكاء,ثم يقول:"بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين".

وعمر الذي يعطي درته للمصري ليقتص من محمد بن عمرو بن العاص,ثم يقول لعمرو في حزم:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟"، هو نفسه عمر الذي يلقى صبيا في المدينة فيقول له وعيناه تفيضان بالدموع:"ادع لي يا بني , فإنك لم تذنب بعد". 

وعمر الذي ما إن يسمع أعرابيا يقول لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"أعطني فليس المال مالك ولا مال أبيك" حتي يستل سيفه ويهم بقطع رقبة الأعرابي,هو نفسه عمر الذي يعارضه أحد المسلمين في عزله لخالد بن الوليد قائلا:"والله ما أعذرت يا عمر,ولقد نزعت فتى ولاه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وأغمدت سيفا سله رسول الله,ووضعت أمرا رفعه رسول الله,وقطعت رحما,وحسدت بني العم",فما زاد عمر على أن تبسم ثم قال:"إنك قريب قرابة,حديث السن,تغضب في ابن عمك".

رحم الله الإمام العادل ورزقنا السير على نهجه وجمعنا به في الفردوس الأعلى.


دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.