يقول العقاد في كتابه عبقرية عمر: (قلت لنفسي:إن كنت قد أفدت شيئا من مصاحبة عمر بن الخطاب وسيرته وأخباره , فلا يحرجنك أن تزكي عملا له كلما رأيته أهلا للتزكية , وإن زعم زاعم أنها المغالاة , وأنه فرط الإعجاب).
ولعل أشد ما يثير إعجابك في شخصية الفاروق هي تلك المفارقات في حياته, فعمر الذي قال عنه أحد الصحابة ذات يوم وهو يخاطب زوجته:"لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب",هو نفسه عمر الذي قال عنه عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- بعد ذلك:"إن إسلام عمر كان فتحا,وإن هجرته كانت نصرا,وإن إمارته كانت رحمة",بل إنه ارتقى إلى المرتبة التي جعلت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول عنه:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعمر الذي وأد ابنته في الجاهلية ولم يلن قلبه لها حتى وهي تنفض الغبار عن لحيته,هو نفسه عمر الذي فزع حينما سمع بكاء طفل فأسرع إلى أمه يسألها عن السبب,فأجابت بأنها تحاول أن تعجل في فطامه لأن الخليفة عمر لا يفرض إلا للمفطوم,فإذا بعمر يبكي حتى لا يستبين الناس قراءته في الصلاة من شدة البكاء,ثم يقول:"بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين".
وعمر الذي يعطي درته للمصري ليقتص من محمد بن عمرو بن العاص,ثم يقول لعمرو في حزم:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟"، هو نفسه عمر الذي يلقى صبيا في المدينة فيقول له وعيناه تفيضان بالدموع:"ادع لي يا بني , فإنك لم تذنب بعد".
وعمر الذي ما إن يسمع أعرابيا يقول لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"أعطني فليس المال مالك ولا مال أبيك" حتي يستل سيفه ويهم بقطع رقبة الأعرابي,هو نفسه عمر الذي يعارضه أحد المسلمين في عزله لخالد بن الوليد قائلا:"والله ما أعذرت يا عمر,ولقد نزعت فتى ولاه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وأغمدت سيفا سله رسول الله,ووضعت أمرا رفعه رسول الله,وقطعت رحما,وحسدت بني العم",فما زاد عمر على أن تبسم ثم قال:"إنك قريب قرابة,حديث السن,تغضب في ابن عمك".
رحم الله الإمام العادل ورزقنا السير على نهجه وجمعنا به في الفردوس الأعلى.
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق