التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثامنة إلا خمس دقائق (قصة قصيرة)

 الثامنة إلا خمس دقائق....ثلاث قصص قصيرة


* قصة رقم ١:

يقف الاستاذ مبارك في ساحة المدرسة, ينظر إلى ساعته, باقي من الزمن خمس دقائق وتبدأ تحية العلم...يتفرس وجوه تلاميذه, يسأل نفسه لماذا أقف كل يوم ومنذ ثلاثين عاما في نفس المكان لأحيي هذا العلم؟ أليس العلم هو رمز لكرامة الوطن ومواطنيه؟ إذا فلماذا هو ممزق و مهترئ بهذا الشكل؟هل لأن كرامتنا هي الأخرى قد أصبحت ممزقة ومهترئة؟...يسأل نفسه هذا السؤال وهو يتذكر وجه ذلك الضابط الذي استوقفه بالأمس وتعمد إهانته وسبه بأبشع الألفاظ أمام زوجته وأولاده, ألم يكن ذلك النقيب تلميذا في هذه المدرسه يقف وراءه كل يوم ليحيي هذا العلم؟, ألم يكن زميله حسام المعيد بكلية الهندسه هو الأول على هذه المدرسة طوال فترة دراسته؟ وكان يقف هو الاخر وراءه كل يوم ليحيي هذا العلم بكل حب ووطنية؟ إذا فلماذا هو الان محكوم عليه بالسجن لمجرد أنه عبر عن رأيه؟ ...أمن أجل هذا أقف في كل يوم لأحيي هذا العلم وأعلم هؤلاء التلاميذ نشيد الوطن؟


* قصة رقم ٢:

وفي مكان ليس ببعيد, ينجح مايكل أخيرا في النزول من الحافلة بعد شجار عنيف مع سائقها برفع الأجرة نتيجة لارتفاع أسعار الوقود, وهو شجار انتهى بأن كال السائق له ولدينه السباب واللعان...لم يكترث مايكل كثيرا فقد كان متوجها إلى منطقة التجنيد التابع لها, فاليوم هو (يوم الفرز) وهو اليوم الذي يعرف فيه الشاب إذا ما كان سوف يتم اعفائه من التجنيد أو الزامه بتأدية الخدمة العسكرية....ينظر مايكل إلى ساعته ،إنها الثامنة إلا خمس دقائق باقي خمس دقائق على إعلان نتيجة الفرز, يتأمل هذه الجموع الغفيرة الجاسة على الأرض والتي جف حلقها وتصبب العرق منها حتى بلل ملابسها في انتظار نتيجة الفرز...يسأل نفسه لماذا يجب على أن أضيع ثلاثة أعوام من عمري, حتى استطيع السفر إلى الخارج؟, ولماذا يجب على كل هذه الجموع أن تتجند؟ هل من أجل انتاج المزيد من أكياس المعكرونة؟ أم من أجل بناء المزيد من الطرق والكباري؟...في هذه الاثناء يقع نظره على أحد الجالسين...ما أشبهه بأخيه عادل...تراود بعض الدموع عينيه في النزول لولا أنه سارع في تجفيفهما...يتذكر أخاه الشهيد الذي مات بعد أن دهسته مدرعة للجيش عند ماسبيرو...يسأل نفسه لماذا كان على عادل أن يموت هذه الموته البشعة؟ ألم يكن محبا لهذا لوطن ومدافعا عن انتمائه له؟, أليس هذا هو أخاه الصغير الذي طالما لعبا معا في طفولتهما؟ ألم تكن لعبتهما المفضلة هي حرب أكتوبر؟ ألم يتشلجرا في كل مرة على من يلعب دور الجندي المصري والعدو الاسرائيلي؟, ترى لو عاد به الزمن مرة أخرى هل كان ليتشاجر مع أخيه؟


* قصة رقم ٣:

وفي مكان اخر تجلس نبيله على مقعدها في القطار منتظرة وصوله إلى المحطه, تنظر إلى ساعة هاتفها المحمول, إنها الثامنة الا خمس دقائق, كان المفترض أن يوصلها القطار في تمام الخامسة فجرا إلا إنه تأخرعن ميعاده ثلاث ساعات كامله, لم تكن نبيلة تعبأ بهذا التأخير فقد تعودت عليه,و تعودت أيضا أن تشتري المزيد من أكياس اللب والشيبسي تسلي بها نفسها طوال فترة السفر... تتذكر نبيله نصائح والدها لها في كل سفر بأن تترك مقعدها نظيفا ولا تلقي بالقمامة على الأرض حفاظا على كرامة من يأتي بعدها, كما كان ينصحها دائما ألا ترك باب عربة القطار مفتوحا لأن ذلك يؤذي باقي الركاب... كانت نبيلة تتأمل هذه النصائح وهي تتذكر وجه أبيها الراقد بالعناية المركزة يعاني من مرضه العضال الذي ألم به في نهاية حياته, وتتذكر كيف تكبدت أسرتها العناء من أجل توفير العلاج له, والذي كان باهض الثمن وغير متوفر على الرغم من امتلاكه لبطاقة التأمين الصحي...تسأل نفسها ألم يكن والدها طبيبا ناجحا يخدم هذه البلد؟ وشاعرا ملهما طالما تغزل فيها؟, إذا فلماذا كانت نهايته بهذا الشكل؟ ولماذا على أن ألتزم بتعليمات والدي وأكون انسانة في بلد لا تحترم الانسانية؟


* صوت المذياع: هنا القاهرة السيدات والسادة الساعة الان هي تمام الثامنة صباحا....نترككم مع أغنية الفنانة شادية (أصله ماعداش على مصر)

- ينتبه الاستاذ نبيل وينظر إلى تلاميذه مشيرا بيده إليهم قائلا: يلا يا ولاد على الفصول مفيش تحية علم النهارده....يصيح التلاميذ جميعا في وقت واحد: هيييييييه هيييييييه

- يزاحم مايكل الجموع الغفيرة في محاولة لسماع نتيجة الفرز, يمسك الضابط بالميكروفون قائلا: مواليد شهر يناير تأجيل, يقفز مايكل من شدة الفرح ويهتف يصوت عال: احمدك يارب .... احمدك يا رب

- يصل القطار إلى المحطه, تقف نبيلة من على مقعدها, تلقي بقشر اللب على الأرض, تمزق قماش الكرسي بسكين الفاكهة التي كانت في يدها, تنزل من القطار تاركة باب العربة مفتوحاز

صوت الفنانة شادية من خلال المذياع: ما شافش الأمل في عيون الولاد وصبايا البلد....يبقى ماعداش على مصر

 

                                                                   

 د. عمرو أبوالحسن المنشد

٢٠١٤م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.