التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإدارة بطريقة برايل (قصة قصيرة)


تمهيد:

- يظن كثير من رجال الإدارة أن العلاقات الإنسانية فصل في كتاب تنظيم العمل، وهم مخطئون في هذا، فالعلاقات الإنسانية هي كل الكتاب  (بيلفر شتاين) 


أخذ يتحسس كرسي مكتبه الجديد وكأنه يطلب منه إذنا بالجلوس، وما إن اطمأنت نفسه وجلس حتى أغمض عينيه برهة تخيل فيها أعضاء جسده تتمدد فتملأ أجزاء كرسيه و تنمو فتملأ أركان مكتبه الجديد، تنبه فجأة وكأنه تذكر شيئا ما نسيه في جيبه، فتح عينه ومد يده مخرجا ورقة مطوية تأملها طويلا ثم بدأ يقرأ ما فيها بصوت مسموع يردده مرات ومرات وكأنه يحاول استيعاب ما فيها : (وبعد الاطلاع على اللوائح والقوانين قررنا تعيين المهندس/ سالم أبوحطب مديرا لشركات HMS للنقل والمواصلات)، تبسم معجبا بنفسه ثم رفع سماعة الهاتف مستدعيا مديرة مكتبه، دخلت عليه متأنقة فرمقها بعيني مراهق عشريني لكنه سرعان ما أبدى حزما مصطنعا آمرا إياها بدعوة موظفي الشركة إلى إجتماع وصفه بالهام والعاجل.


- (أنا تعمدت إني اجتمع بيكم كلكم النهارده مهندسين وسواقين وموظفين علشان أعرض عليكم رؤيتي لتطوير الشركة) بهذه الكلمات بدأ اجتماعه الأول، ثم أردف قائلا: انتوا عارفين إن مشاكل الشركة كتير يعني حوادث طرق متكررة، تأخير في المواعيد، سوء في الخدمة وغيرها

- قاطعه أحد الموظفين متحمسا: ومستحقاتنا المالية المتأخره 

- تجاهل كلماته وكأنه لم يسمعها ثم استطرد قائلا: الكلام اللي هقوله ده مش اقتراحات، دي قرارات للتطوير وهتتنفذ من بكره.

- اشرأب أحدهم بعنقه وقال: اتفضل يا سيادة المدير، أنا والله لسه حالا كنت بقول لهم إن ما حدش هيظبط الشركة دي غير سعادتك.


- بصوت أجش وثقة متناهية في النفس قال المدير: أول خططنا للتطوير هتكون دهان جميع الأتوبيسات باللون الأبيض ووضع شعار الشركة عليها، وغير مسموح لأي سائق إنه يتحرك من الجراش بأتوبيس غير مدهون.

- ساد صمت لم يدم طويلا، أخذ بعضهم ينظر خلاله إلى بعضهم الآخر متعجبا، إلى أن رفع أحد المهندسين يده وقال: حضرتك المشكلة الأساسية في المحركات، المحركات اللي عندنا قليلة و مستهلكة من كتر الشغل، محتاجين محركات جديدة وحديثة.

- نظر إليه بعين غاضبة، ولوهلة حاول تجاهله كسابقه لكنه تذكر قاعدة كان يلجأ لها دائما في مثل هذه الظروف (كثير من الصوت العالي مع قليل من التظاهر بالغضب الممزوج بالتهديد كاف لأن يغطي على سطحية فكرك وفشل أدائك)، قال له بصوت عال ومرتفع: ما تيجي تقعد مكاني أحسن يا باشمهندس!

- أشرأب الرجل بعنقه ثانية وقال: ما تصلي على النبي يا باشمهندس، هو الباشا لسه خلص كلامه، وبعدين برضو السن والمركز ليهم احترامهم.


- التقط المدير بعض أنفاسه متظاهرا بالتماسك وقال: القرار الثاني الركاب بدل ما كانوا بيركبوا الأتوبيس من الباب الأمامي وينزلوا من الباب الخلفي، هنعكس الموضوع يعني هيركبوا من الباب الخلفي وينزلوا من الباب الأمامي.

- هتف صاحبنا المشرئب بعنقه دائما: الله عليك يا باشا هو ده الكلام وهي دي الدماغ.

- كادت كلمات المديح الكاذب أن تسكره، فهم أن يترنح لولا أن رأى هيبة مركزه، فأكمل: القرار الثالث ترقيم الكراسي هو كمان هيتغير يعني هيبتدي من ورا لقدام بدل ماكان من قدام لورا.


- طفح الكيل بأحد المهندسين فقاطعه قائلا: يا فندم حضرتك كل ده جميل وكويس بس المشكله الأساسية ما اتحلتش، عندنا نقص واضح في أدوات الصيانة وفي الوقود وكمان في قطع الغيار، حضرتك لازم الحاجات دي تتوفر علشان الشغل يمشي.

- المدير حانقا: وإيه المطلوب يعني؟ أجيب الحاجات دي من بيتنا؟ ولا أصرف على الشركة من جيبي؟!.... وبعدين إنت يا بشمهندس بتشتغل كام يوم في الأسبوع؟، ده أنا حتى مش شايفك موقع في كشف الحضور والانصراف النهارده.

- بادره الهندس حنقا بحنق: يعني هو سيادتك كل اللي همك وقعت ولا ما وقعتش، يعني انا لو وقعت الشهر كله وما اشتغلتش هتبقى مبسوط، قال كلاماته وانصرف لا يلوي على أحد.

- اشرأب صاحبنا بعنقه مجددا وقال: لا يا اخونا مش عايزين تسيب وإهمال من أولها، المدير كتر خيره إنه قاعد معانا وبيعرض علينا قراراته، مش كان ممكن يرمي لنا القرارات دي ويقول لنا نفذوها، يلتفت إلى المدير في استعطاف باهت: معلش يا باشا امسحها فيا المرة دي أقسم بالله العظيم تلاته كلامك درر، كمل ياباشا كمل.


- المدير : القرار الرابع الأتوبيس اللي كان بيمشي ١٦ ساعة ويريح ٦ ساعات، هنوزعهم يعني هيمشي أربع ساعات و يريح ساعتين.

يسود صمت مطبق يقطعه دخول مديرة المكتب متأنقة كعادتها، يعتدل صاحبنا في جلسته ويقول لها وهو يعدل من ربطة عنقه: كل اللي ما وقعش حضور النهارده تكتبي اسمه في ورقه وتجيبيها لي المكتب بعد الاجتماع علشان أحولهم شؤون قانونية.

- صاح هذه المرة وهو يضع كفه على عنقه وكأنه قد تلقى لتوه صفعة قوية عليه: عليا الطلاق يا ريس قرار حكيم حكيم......ثم اقترب منه هامسا في إذنه: معلش ياريس سماح النهارده، والله، قسما بالله كنت ماضي خط سير وضاع مني ونسيت أوقع في الدفتر.


دكتور/ عمرو أبوالحسن

مارس ٢٠١٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.