التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يوميات نوباتجي في المستشفى الجامعي (قصة قصيرة)



• تمهيد:

"على البيانو كُتبت عبارة: من فضلك.. لا تطلق الرصاص على عازف البيانو فهو يبذل أقصى ما لديه".......أوسكار وايلد



الفصل الأول:

كان يوما شاقا ومتعبا بكل ما تحمله الكلمة من معنى, ثلاثون ساعة مرت من العمل المرهق والمتواصل ما بين مرور على المرضى و إسعاف لحالات حرجه و اتصالات مكثفة لإنهاء عروضات وتحاليل وإداريات متعفنة ومعقدة.


أخيرا سيتناول الطبيب وجبته ويخلد للنوم.....يدخل الطبيب غرفة الاستراحة ويغلق الباب خلفه, كانت الغرفة صغيرة وضيقة لا تتجاوز مساحتها المتر في مترين, رص في أحد جوانبها عدد من الألواح الخشبية بعضها فوق بعض لتكون سريرا أو ما يشبهه, وضعت عليه مرتبة مهترئة , وطويت عدد من الأغطية بعضها فوق بعض لتكون وسادة للرأس.

أما عن الجانب الاخر فقد وضعت به عدد من الأكياس والكراتين التي تحوي أدوية ومعدات طبية, جعلت من الغرفة أشبه ما تكون بمخزن صغير.


يجلس الطبيب على كرسيه ويفتح وجبة الطعام التي حصل عليها من المستشفى, فتحها وهو يدعو ربه ألا يجد فيها هذه المرة صرصارا أو ذبابا, فقد كانت أمعاؤه تتمزق من شدة الجوع.....لم تكن وجبة الطعام أحسن حالا من الغرفة, فهي عبارة عن ست قطع من البطاطس في حجم عقلة الإصبع مزجت بقليل من صلصة الطماطم, وخمس ملاعق كبيرة من الأرز المعجون بعضه ببعض و ثلاث قطع من اللحم لا تكاد ترى بالعين المجردة من شدة الصغر, وثمرة برتقال واحدة تعفن أحد جوانبها.

لم يكن أمام صاحبنا سوى أن يغمض عينيه ويسد أنفه ثم يبلع الطعام بلعا حتى لا يشعر له مذاقا أو يحس له طعما, فقد كان صراخ معدته أقوى من أي طعم سيء أو رائحة كريهة.


تناول صاحبنا وجبته ثم أغلق النور, وألقى جسده المنهك على السرير المهتز وهو ينفث من صدره اهة حملها كل ما يشعر به من الام جسده وصليل مفاصله.

أغلق عينيه وهو ينتظر سماع صوت (هاملت) وهو يجوب أرجاء الغرفة يفتش في كل ما تقع عليه عينه من أكياس و أكواب وكراتين, لم يكن هاملت هذا سوى فأر صغير ضمن قطيع كبير من الفئران التي استوطنت العناية المركزة منذ زمن بعيد, كان صاحبنا يعافها في بادئ الأمر لكنه وحين فشلت الإدارة في القضاء عليها قرر أن يتعايش معها.



الفصل الثاني:

يغمض الطبيب عينيه ويذهب سريعا في النوم, وماهي إلا دقائق حتى يرن هاتفه المحمول, فيستيقظ من نومه مفزوعا وهو يشعر بتسارع دقات قلبه.....يرد على الهاتف بصوت منهك, لقد كان نوباتجي الاستقبال يطلبه لمناظرة حالة حرجة, يلقي الطبيب هاتفه المحمول جانبا ويهرول نحو الاستقبال.

كانت الساعة الرابعة فجرا, وكان كل جزء في جسده يرتجف من شدة البرد, فكر لوهلة أن يغسل وجهه ببعض الماء لعل ذلك يمنحه قدرا من اليقظة,إلا إن خلو المستشفى من سخان للماء منعه من ذلك.


وصل صاحبنا أخيرا إلى الاستقبال, أمسك بسماعته وقام بفحص الحالة..... كانت الحالة حرجة فعلا وكانت في حاجة إلى العناية المركزة, أخبر أهل المريضة بذلك وأعلمهم أيضا أن احتمالات توصيلها بجهاز التنفس الاصطناعي كبيرة, لم يعترض أحد من المرافقين فشرع صاحبنا في إتمام الإجراءات اللازمة للدخول ولكنه حين بحث عن عامل ليقوم بنقل الحالة لم يجده, فما كان من أهل المريضة إلا أن وضعوها على كرسي متحرك وقرروا نقلها بأنفسهم إلى العناية المركزة.

توجه أحدهم نحو المصعد الكربائي, ولما وجده معطلا كال السباب واللعان للمستشفى وإدارتها , وقام بشتم الأطباء بأقبح الألفاظ وأشدها غلظة وسوءا.

لم يلتفت صاحبنا إليه ولم يعيره انتباها؛ ربما لأنه هو الاخر يئس من أسلوب هذه الإدارة ومن تصرفاتها فرأى أنها تستحق هذا السباب وأكثر.


وصلت المريضة أخيرا إلى العناية المركزة بعد أن قام أهلها بحملها وكرسيها المتحرك مسافة ثلاثة طوابق كاملة, وفي العناية كان مسلسل اخر من الفوضى والإهمال على وشك البدء.



الفصل الثالث:

كان هذا المسلسل معروفا ومتكررا إلا أن عجز الإدارة عن إيقافه جعل الأطباء يتوقعونه ويعتادون عليه, كانت معظم الأجهزة بالعناية في حاجة إلى تجديد وصيانة, فالمناظير الحنجرية معظمها معطل, ومخارج الأكسجين تالفة, ومداخل الكهرباء لا تعمل, ولم يكن بالعناية كلها سوى جهاز تشفيط واحد يتم تبادله بين المرضى جميعا والذين يربو عددهم عن العشرين مريضا, هذا فضلا عن أبسط حقوق المريض من أدوية ومحاليل ووسائد والتي كانت قد نفذت من المستشفى دون أن يتم تعويضها, لم يكن في كل ما سبق مشكلة فقد تعود صاحبنا على ذلك كله طوال عامين من العمل, لكن المشكلة الحقيقية بدأت عندما قرر توصيل المريضة بجهاز التنفس الاصطناعي ليكتشف أن شبكة الأكسجين معطلة.


كانت الساعة تشير إلى الخامسة فجرا, حاول الاتصال بكل من يعرفهم من الأطباء أو الإدارة , إلا إنه لم يتلق ردا من أحد, كان الجميع يغط في نوم عميق وثبات تام, كان عليه أن يتصرف سريعا ودون إضاعة للوقت؛ فهناك مالا يقل عن العشرين مريضا بالعناية معرضون جميعهم للموت أو الانتكاس على أقل التقدير.

لم يكن أمامه سوى أسطوانات أكسجين قديمة ومتهالكة, فقام بتوصيل كل من كان على جهاز تنفس اصطناعي بواحدة من هذه الاسطوانات مع جهاز تنفيخ يدوي.

استمر الأمر هكذا حتى الساعة السابعة والنصف صباحا, في هذه الأثناء كانت هناك حالتان قد لفظتا أنفاسهما بالفعل بالعناية المركزة.


دخل الطبيب غرفته من جديد, وقد هده التعب هدا ومزقه اليأس كل ممزق, جلس على السرير مسندا ظهره المكلوم ورأسه المليء بالهموم على الحائط, حاول أن يغالب النوم إلا إنه غرق فيه غرقا.



الفصل الرابع:

ساعة من الزمن مرت وهو على هذه الحال قبل أن يوقظه صوت الممرضة مخبرة إياه بأن أحد المسؤولين بالخارج يريد أن يمر معه على القسم والمرضى.

يرفع صاحبنا جسده من على السرير بمعاناة شديدة ثم ينظر إلى زجاج شباك الغرفة فيرى فيه صورته, كانت عيناه حمراوتان وشعره مبعثرا, وكانت ملابسه غير مهندمة تفوح منها رائحة العرق, حاول أن يلملم نفسه وأن يرمم أجزاءه قدر المستطاع , ثم خرج إلى المسؤول.


كانت أول كلمات نطق بها المسؤول حين راه: إيه يابني, كل ده نوم؟ طبعا هو انتو فاضيين للحالات والعيانين! الواحد فيكم بينام في النبطشيه أكتر ما بينام في بيتهم!

لم ينتبه صاحبنا إلى هذه الكلمات فقد أصمه التعب عن سماعها, لكنه لم يعمي عينيه عن رؤية المسؤول وقد بدت على وجهه علامات الراحة وانتفخت عيناه من كثرة النوم, كان شعره مرتبا وكانت ذقنه حليقه, كان يرتدي ملابس مهندمة وإن لم تكن أنيقة, وكانت تفوح من جسده رائحة العطر ومن فمه رائحة النسكافيه.


وقف المسؤول عند المريض الأول, فنظر يمينا وشمالا وكأنه يبحث عن خطأ ما, فلما لم يجد مبتغاه أمسك بأمبول ملقى على الطاولة , ثم نظر إلى الطبيب وقال له بتهكم وسخرية أمام المرضى والعاملين : إيه ده يافندي؟ طبعا ما انتو مش فاضيين تشوفوا شغلكم, كل اللي هاممكم الجدول والأجازات! إنما تبص على عيان....لأ.

يطرق الطبيب وهو يتمتم: طبعا ما انته جاي من بيتكم فايق ورايق بعد ما المعمعة خلصت.

ينظر إليه المسؤول قائلا: إنته بتقول حاجه يا أفندي؟

كان الطبيب في حيرة من أمره أيرد أم يصمت؟ , هل يخبره إن هذا الأمبول هو ماتبقى بعد عملية الإنعاش القلبي التي أجريت للمريض الذي توفي بسبب تعطل شبكة الأكسجين؟, وهل هناك فائدة من الكلام؟, ألم يتكلم قبل ذلك كثيرا فهل غير ذلك من الأمر شيء؟, ثم ما فائدة الكلام مع من يريد أن يشفي عقد نفسه بالسخرية من الاخرين؟, إذا فليكن الصمت هو قراره؛ خاصة إنه لم يتبق من الوقت سوى ساعة واحدة ويذهب بعدها إلى بيته ليستريح من هذا الوضع البائس.


وعند الحالة الثانية, كان أسلوب المسؤول أكثر إثارة وأشد استفزازا, فقد رأى قطرة مطهر (بيتادين) على سرير المريض حسبها قطرة دم, فما كان منه إلا أن تمادى في السخرية والتهكم من الطبيب أمام الجميع.

كان صاحبنا في كل مرة ينظر إلى الأرض مغمضا عينيه ومستغفرا ربه سائلا إياه أن يفرغ عليه صبرا ويثبت قدمه ؛حتى لا يدفعه الغضب إلى ارتكاب حماقة لا تحمد عقباها.


وجاء الدورعلى الحالة الثالثة, هنا بدأ صاحبنا يفقد أعصابه شيئا فشيئا, بدا من كلام المسؤول مع المريضة أنه على معرفة سابقة بها, فربما تكون إحدى جيرانه أو أقاربه.

سأله المسؤول إن كان قد أضاف المحاليل إلى علاجها أم لا؟

فرد الطبيب سريعا: وهو من امتى حضرتك بنضيف محاليل لعيان عنده هبوط في عضلة القلب؟, وبعدين هو في محاليل أساسا في المستشفى؟

رد المسؤول بغضب: إنته هتعرف أحسن مني؟ إنت افتكرت نفسك دكتور ولا إيه؟

لم يلتفت صاحبنا إلى المسؤول هذه المرة بل كانت عيناه تدور في المكان بحثا عن شيء ما, وها قد وجدته أخيرا, كان هذا الشيء مستقرا عند اخر مريض .....نظر صاحبنا إلى المسؤول وكأنه يلتمس منه العذر لسوء أدبه, ثم طلب منه مناظرة الحالة الأخيرة لصعوبتها ولاستشارته في علاجها, وأمام الحاح الطبيب لم يجد المسؤول بدا من التوجه إليها.


وصل المسؤول إلى الحالة الأخيرة سريعا إلا إن يد صاحبنا كانت أسرع منه في الوصول إلى ما كان يبحث عنه ألا وهو (جهاز الصدمات الكهربية) فقام سريعا بشحنه على 200 جول ثم صوبه نحو جسد المسؤول وفرغ كامل شحنته على صدره فسقط المسؤول على الأرض, لم يتمالك صاحبنا نفسه فما كان منه إلا أن انهال عليه صعقا وصدما مرات ومرات حتى ذلت يده في إحدى هذه المرات فصعق نفسه وسقط هو الاخرعلى الأرض......إلا إن ارتطام رأسه الشديد بالأرض مع تسارع أنفاسه قد أيقظه من غفوته, فأدرك أنه كابوس, فأخذ يبلع ريقه وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم, وما إن بدأ يلتقط أنفاسه, حتى سمع صوت الممرضة تستدعيه للمرور مع أحد المسؤولين


د.  عمرو أبوالحسن المنشد

فبراير ٢٠١٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية رسل عبقر (تساؤلات)

  رواية رسل عبقر (من معازف الجن)             تأليف:  د. عمرو أبوالحسن المنشد            ماذا فعل قرين عنترة بن شداد ليساعده على التخلص من ال عبودية؟ و لماذا فشل قرين امرؤ القيس في ثنيه عن الأخذ بثأر أبيه؟  وكيف احتال لافظ بن لاحظ للتخلص من عبيد بن الأبرص وقتله على يد المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة؟ وه ل تأثر النابغة الذ بياني ببخل قرينه؟ ما علاقة الشيخ النوبي ومخطوطته الأثرية بوادي الجن  (عبقر)؟ و لماذا كان يتردد على طبيب متخصص في أمراض النوم؟  و كيف استطاع الطبيب الشاب بعد رحلة طويلة في قرى مدينة أسوان ومعالمها اكتشاف السر وراء الشيخ ومخطوطته ؟    احصل عليها من خلال دار نشر فصحى للنشر هاتف: ٠١٠٢٨٤١٧٩٤٠ هاتف: ٠١٠٦١٣١٨٦٣٧

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

رواية ميرعنخ بالعربية (غلاف)