التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جلدة حنفية (قصة قصيرة)

 


• تمهيد

"من الخطأ أن تكون الأمور الأكثر أهمية تحت رحمة الأمور الأقل أهمية"  .جوهان ولفجانج فون جوته


(المشهد الأول)

المكان/ المستشفى الجامعي بجمهورية (سيلستان) – استراحة الأطباء

يتسلم أحد الأطباء الجدد عمله بالمستشفى الجامعي كمدرس مساعد..... يرحب به زملاؤه..... يسلموه جدولا بالمهام الموكلة إليه خلال الشهر القادم..... ينظر الطبيب إلى الجدول ويقرأ بصوت عالي.....

- الطبيب : يوم السبت عيادة, يوم الأحد تدريس للطلبة, يوم الإثنين نوباتجي عناية, يوم الثلاثاء ..............(يتوقف عن الكلام ويحدق بالجدول برهة, ينظر إلى زملائه متسائلا): يوم الثلاثاء مرور حمامات..... يعني إيه!؟

- يرد أحد الأطباء : يعني سيادتك تيجي من بيتكم الصبح بدري, وتمرعلى الحمامات وتشوفها نظيفة ولا لأ, ولو محتاجه حاجه تعملها.

- الطبيب : إنتوا أكيد بتهزروا يا رجاله!

- يرد طبيب اخر : والله زي ما بيقولك كده, دي أوامر الإدارة الجديدة, المرور على الحمامات قبل العيانين.

- الطبيب (محاولا استيعاب الموقف) : يبقى أكيد الحمامات دي فخمة ومصروف عليها ملايين؟!

- أحد الأطباء : لأ أبدا دي متهالكة, ومحتاجه مش بس صيانه لا دي عايزة تتفور وتتبني من الاول.

- الطبيب : طيب وكلمتوا حد من القسم؟

- أحد الأطباء : كلمنا

- الطبيب : وقالوا إيه؟

يسود صمت مطبق



(المشهد الثاني)

المكان/ غرفة الطبيب بالقسم الداخلي..... يجلس الطبيب الجديد على كرسي المكتب..... يحاول تحضير الدرس الذي سيلقيه غدا على طلبته..... يرن جرس الهاتف..... يرد الطبيب

- الطبيب : ألو

- الطرف الاخر : أيوه يا دكتور, أنا ممرضة القسم, سرير رقم تلاته يا دكتور

- الطبيب (بلهفة) : ماله حصل له حاجه ولا إيه؟

- الممرضة : لأ ما تقلقش يا دكتور, بس المريض راح الحمام وعمل (بي بي) ومش عارف يشد السيفون.

- الطبيب : وأنا مالي بالموضوع ده؟

- الممرضة : معلش يا دكتور, بس أنا سمعت حد من الإدارة بيقول إن الحمامات مسؤولية الدكاتره.

- الطبيب (متمالكا أعصابه) : حاضر يا مس هاجي أشد له السيفون.

تمر دقائق..... يرن جرس الهاتف..... يرد الطبيب

- الطبيب : ألو

- الممرضة : يا دكتور سرير رقم أربعة بيقول إنه راح الحمام ولقي البلاعة مسدودة والحمام غرقان ميه.

- الطبيب : اللهم طولك يا روح, حاضر يا مس, هاجي أسلكها

تمر دقائق..... يرن جرس الهاتف...... يرد الطبيب

- الطبيب : ألو

- الممرضة : أيوه يا دكتور, عم محمد سرير رقم واحد.

- الطبيب : ماله, عمل (كاكا) وعايز حد يمسحها له؟!!

- الممرضة : لأ يا دكتور, بالعكس ده عنده إمساك وعايزك تكتب له على ملين

- الطبيب : ملين؟؟؟؟ (يصمت برهة مفكرا, ثم يكمل): راحت عن بالي فين الفكرة دي, هاتي لي كل التذاكر هنا في المكتب.

- الممرضة : ليه يا دكتور؟

- الطبيب : هنوقف كل الملينات ومدرات البول.



(المشهد الثالث)

المكان/ عنبر المرضى..... الطبيب الجديد يسلم أحوال النوباتجيه لزميله الاخر.

- الطبيب : بص يا سيدي, عندك عم محمد ده تشخيصه نزلة معوية, والست جملات دي عندها ارتفاع في وظائف الكلى, أما عم علي فالضغط على طول عالي........ وخد عندك كمان السيفون بتاع حمام خمسه مش شغال, والحنفية رقم تلاته بتنقط وعايزة تتربط كويس, وعندك في درج المكتب هتلاقي السماعة وجهاز الضغط ومفتاح عشرة, ومفك صليبه, ولي.




(المشهد الرابع)

.

المكان/ أحد المؤتمرات العلمية في أحد الفنادق الكبرى..... يجلس الأطباء من جميع أرجاء الجمهورية في مطعم الفندق..... في انتظار وجبة العشاء..... يجلس الطبيب الشاب على إحدى الطاولات مع بعض زملائه من شباب الأطباء..... يخرج أحد الأطباء مجموعة أوراق من حقيبته..... يتحدث إلى زملائه شاكيا.

- الزميل : تخيلوا المدير بتاعنا بيتدخل في أبحاثنا العلمية برغم إنها مش في تخصصه..... الورق ده فيه اخر بحث علمي عملته مع دكاتره من بره, المدير بيقول إن البحث مش عاجبه..... بس القسم عندنا رفض تدخله في البحث ووافق عليه زي ما هو.

يبتسم الطبيب الشاب ولا ينطق بكلمه

- زميل اخر : يا دكتور الحال من بعضه, إحنا عندنا المدير الجديد عايز يغير المنهج الدراسي..... (يخرج كشكولا من حقيبته, ثم يكمل) : الكشكول ده في محاضرات عملها أساتذتنا, بيقول إنها مش عاجباه وعايزنا نغيرها, بس القسم رفض طبعا.

يحاول الطبيب الشاب تغيير الموضوع..... يشير إلى النادل وكأنه يستعجل العشاء.

- يتحدث زميل ثالث : بصوا يا جماعة.... (يفتح جهاز الحاسوب المحمول, ثم يقول): ده إيميل اتبعت لي من بريطانيا علشان البعثه بتاعتي, المدير بتاعنا عايز يغير مكان البعثة ويخليها ألمانيا, بس أنا كلمت القسم عندنا وأصر إن البعثة تكون لبريطانيا.

ينظر الطبيب الشاب إلى الأرض..... يسأله أحد زملائه.

- الزميل : وانت يا دكتور, أخبارالدنيا عندك إيه؟

ينظر الطبيب إليهم..... يضع يده في جيبه..... يخرج (كيسا به عدد تلاته جلدة حنفية) ويضعه أمامهم على الطاولة..... ينظر الجميع إلى الكيس في استغراب..... يسود صمت مطبق.



عمرو أبوالحسن

ديسمبر ٢٠١٤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.