((تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)) من قال إن هذا هو شأن الرياح دائما, فهي تجري أحيانا بأكثر مما تشتهي السفن.
أنهى امتحانات الثانوية العامة بنتيجة لا يتوقعها أكثر الناس تفاؤلا, مجموع يتيح له الالتحاق بكلية الطب في أي جامعة شاء, إنه حسام حازم شاب ليس له من اسمه سوى كل ما هو مناقض للحسم وللحزم, أثبت فشلا ذريعا طوال سنوات دراسته السابقة حتى استيأس منه أبوه فخلص إلى تكريس ماتبقى من طاقته في توفير وساطات قوية تتيح له الالتحاق بكلية الشرطة.
((مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))
حال حسام الهائم على وجهه في الطرقات , لا يعرف له قبلة في مشواره القصيرهذا فكيف سيعرف قبلته في مشوار حياته الطويل؟, أيصبح طبيبا أم يصبح شرطيا؟؟, ما إن يمرعلى مركز للشرطه حتى يقف متأملا الضباط والجنود وعربات الترحيلات, ثم تسوقه قدماه نحو المستشفى القريب فيتأمل الأطباء والمرضى وعربات الاسعاف.
((أحد الاعلاميين: أطالب الحكومة بفرم كل من تسول له نفسه النزول إلى الشارع والتظاهر))
بينما تراقب عينا حسام مبنى الكلى الصناعي المتهالك, يطرق طبلة أذنه صوت غير مألوف يبدأ مبهما ضعيفا ثم يغدو واضحا مدويا (حرية....حرية....حرية), هتافات تملأ المكان حوله وأناس ينسلون من كل حدب وصوب, بدأت عيناه تميز اللافتات وما خط عليها من شعارات لكنه تمييز لم يدم طويلا ففجأة أعمتها قنابل الغاز المسيل للدموع التي بدأت تنهال عليهم من حيث يدري ولا يدري, كتم أنفاسه وبدأ يجري مع المتظاهرين نحو اللاوجهة حتى وجد نفسه داخل قسم الاستقبال والطوارئ بالمستشفى.
((اعتمدت الحكومة اليوم قرارا بزيادة مرتبات القضاة وضباط الشرطه والجيش))
بجوار أحد النوافذ بقسم الطوارئ زاحم حسام بعض المتظاهرين لمعرفة ما يجري في الخارج, كان أحد الضباط يصرخ في المتظاهرين: امشوا من هنا يا ولاد الكلب لا تموتوا كلكم, بينما كان بعض الجنود يلوحون بأصابعهم في الهواء بإشارات نابية.
في هذه الأثناء وصلت مجموعة من المتظاهرين المصابين إلى قسم الطوارئ, انكب أحد الأطباء على رأس أحدهم يقبلها ويمسح عرقا اختلط ببعض الدم, اقترب منهما حسام فعرف
أن هذا الكهل كان أستاذا لهذا الطبيب في المرحلة الثانوية.
((أحد المسؤولين: ليس لدينا ميزانية كافية لتطبيق كادر الأطباء))
تعالت أصوات الأعيرة النارية في الخارج, صرخ أحد المتظاهرين: مات مات
صاح أحد المجندين: جدع ياباشا جات في قلبه أهه غار في ستين داهية
دقائق معدودة وصل بعدها المصاب إلى قسم الاستقبال, التف الأطباء حوله, صاح أحدهم: يلا انعاش قلب لازم يعيش ان شاء الله هيعيش, مرت دقائق معدودات حبس فيها الجميع أنفاسه إلى أن أعلن جهاز المونيتور عودة القلب للعمل, صاح الأطباء جميعا: الحمد لله.
((يكفل الدستور لكل مواطن الحق في حياة كريمة))
في هذه الأثناء كان فريق ثان من الأطباء يغمض عيني متظاهر اخر ويدعون له بالرحمة, هال منظر الموت حسام فابتعد مقتربا من النافذة وليته مافعل, فقد كان الموت يحيط به من كل مكان وماهو بميت, ألقى نظرة إلى الشارع فرأى جثثا ملقاة بجوار أكوام الزبالة ومصارف المياه.
((خبر عاجل: اعتداء أحد أمناء الشرطه على طبيب رفض تزوير تقرير طبي))
كان حسام ينظر إلى الخارج فيرى قنابل الغاز والرصاص يتطاير من أسلحة الجند نحو المتظاهرين وينظر للداخل فيرى ماسكات الأكسجين والأدوية تعطى لهم من قبل الأطباء..... لقد حسم حسام الان اختياره وأدرك ماذا عليه أن يصبح في المستقبل.
عمرو أبوالحسن
فبراير ٢٠١٦م

تعليقات
إرسال تعليق