هذا حديث ذو شجون،آثرت أن أخفيه حينا - لشدة قسوته- ثم رأيت من بعد إخفائه أن أظهره لشدة العوز إليه، فرب حجر في ماء راكد يحركه و رب كلمة تلامس وجدان جيل فتغيره.
منذ سنوات نبذت وراء ظهري وظيفتي كطبيب في وزارة لا يميز أكثر من أوسد إليهم الأمر فيها بين بشر و حجر ولا بين سمين و غث, وزارة يستحيل الطبيب بمجرد تكليفه فيها جثة يبحث لها المسؤول عن ركن فارغ في مقابر الوزارة لتدفن فيه، تركت وزارة الصحة زاهدا فيها غير آسف عليها و يممت وجهي شطر الجامعة يحدوني في ذلك رغبة صادقة في التعلم و أمل عريض في بيئة جامعية سليمة تحترم تقاليدها الأدبية الثابتة و يتمسك أعضاؤها بأعرافها الجامعية الراسخة.
يممت وجهي شطر الجامعة ممنيا نفسي بأعراف جامعية كتلك التي دفعت ذات يوم فيلسوفا و مفكرا عظيما كأحمد لطفي السيد أن يستقيل من منصبه كمدير للجامعة المصرية تضامنا مع تلميذه طه حسين، ضاربا بذلك مثالا يحتذى به في احترام القيادي لذاته و الأستاذ لكيانه و تلاميذه، و مغريا لها بتقاليد جامعية كتلك التي دفعت يوما ما عميد الأدب العربي طه حسين أن يرفض منح كلية الآداب الدكتوراة الفخرية لعدد من الساسة، إيمانا منه باستقلال الجامعة و حرصا منه على تقاليدها، دافعا في سبيل ذلك إقصاء كبيرا و تشوهيا كثيرا.
و هو أمر ليس حكرا على هؤلاء الأساتذة البارزين من أهل الفكر و الأدب، فإنك لا تعدم -خلال سنوات دراستك- أن تذكر أساتذة احتووا أجيالا بأخلاقهم قبل علمهم، و حفزوا شبابا بتشجيعهم قبل نقدهم، و صنعوا رجالا بدعمهم لا بهدمهم، فحفظوا لأنفسهم قدرها و صانوا لأجيال بعدهم كرامتها.
و إنك لتأسف أشد الأسف و تأسى أشد الأسى أن ترى بعض الإدارات في جامعة الوليدة تمارس ما تمارسه تلك الإدارات المهترئة في بعض مؤسسات الدولة التي شبت على البيروقراطية العفنة و عقلية (الميري)، و إنك لتبحث عن هذه الأعراف الجامعية ليل نهار فلا تراها إلا مركولة بالإقدام مدفوعة بالأبواب، تقلب وجهك هنا و هناك فلا ترى سوى رغبة في تسلط كاذب و أثرة بغيضة ، تنظر أيمن منك فلا ترى إلا هضما لجهد الآخرين و بخسا لحقوقهم، وتنظر أشأم منك فلا ترى غير فكر إداري لو أتيح لحانوت لأفسده.
و ليس أسوأ من أن تتحول قاعات الدرس إلى ساحات يبارز البعض فيها بعضا ليحرجه أو يسكته أو يظهر عليه، و ليس أقبح من أن تتحول الدرجات العلمية و النشر العلمي إلى نياشين يباهي البعض بها بعضا و يتعالى البعض بها على بعض غير آبهين بما فيها من علم أينفع أم لا ينفع، و ليس أقبح من أن يتحول الإقناع إلى إجبار، و الاحترام إلى تخويف، والاعتراض إلى تخوين، فتجدك طول الوقت منهكا مستهلكا في إثبات ما هو مثبت، و تقرير ما هو معلوم من الأعراف بالضرورة.
ما نحتاجه في جامعاتنا الناشئة هو وقفة، وقفة نضع فيها الأخلاقيات قبل العلم، و المباديء فوق الشخوص، والمصلحة العامة قبل الخاصة، و الأنا تحت أقدامنا، ما نحتاجه هو إحساس بقيمة الجامعة و الانتماء إليها لا أقول العلمي فحسب بل و الأخلاقي و الفكري و المجتمعي، ما نحاجه هو الشعور بعظم الرسالة و التأثير الذي ننقله لأجيال و أجيال بعدنا ربما لا نعبأ بها في ظل عدم إنكارنا لذواتنا و تصارعنا من أجل صورة في جريدة أو لقطة في تلفاز.
عمرو أبوالحسن
فبراير ٢٠١٨
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق