التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأعراف الجامعية بين أحمد لطفي السيد و جامعاتنا الناشئة (مقال أدبي)

 


هذا حديث ذو شجون،آثرت أن أخفيه حينا - لشدة قسوته- ثم رأيت من بعد إخفائه أن أظهره لشدة العوز إليه، فرب حجر في ماء راكد يحركه و رب كلمة تلامس وجدان جيل فتغيره.

منذ سنوات نبذت وراء ظهري وظيفتي كطبيب في وزارة لا يميز أكثر من أوسد إليهم الأمر فيها بين بشر و حجر ولا بين سمين و غث, وزارة يستحيل الطبيب بمجرد تكليفه فيها جثة يبحث لها المسؤول عن ركن فارغ في مقابر الوزارة لتدفن فيه، تركت وزارة الصحة زاهدا فيها غير آسف عليها و يممت وجهي شطر الجامعة يحدوني في ذلك رغبة صادقة في التعلم و أمل عريض في بيئة جامعية سليمة تحترم تقاليدها الأدبية الثابتة و يتمسك أعضاؤها بأعرافها الجامعية الراسخة.

يممت وجهي شطر الجامعة ممنيا نفسي بأعراف جامعية كتلك التي دفعت ذات يوم فيلسوفا و مفكرا عظيما كأحمد لطفي السيد أن يستقيل من منصبه كمدير للجامعة المصرية تضامنا مع تلميذه طه حسين، ضاربا بذلك مثالا يحتذى به في احترام القيادي لذاته و الأستاذ لكيانه و تلاميذه، و مغريا لها بتقاليد جامعية كتلك التي دفعت يوما ما عميد الأدب العربي طه حسين أن يرفض منح كلية الآداب الدكتوراة الفخرية لعدد من الساسة، إيمانا منه باستقلال الجامعة و حرصا منه على تقاليدها، دافعا في سبيل ذلك إقصاء كبيرا و تشوهيا كثيرا.

و هو أمر ليس حكرا على هؤلاء الأساتذة البارزين من أهل الفكر و الأدب، فإنك لا تعدم -خلال سنوات دراستك- أن تذكر أساتذة احتووا أجيالا بأخلاقهم قبل علمهم، و حفزوا شبابا بتشجيعهم قبل نقدهم، و صنعوا رجالا بدعمهم لا بهدمهم، فحفظوا لأنفسهم قدرها و صانوا لأجيال بعدهم كرامتها.

و إنك لتأسف أشد الأسف و تأسى أشد الأسى أن ترى بعض الإدارات في جامعة الوليدة تمارس ما تمارسه تلك الإدارات المهترئة في بعض مؤسسات الدولة التي شبت على البيروقراطية العفنة و عقلية (الميري)، و إنك لتبحث عن هذه الأعراف الجامعية ليل نهار فلا تراها إلا مركولة بالإقدام مدفوعة بالأبواب، تقلب وجهك هنا و هناك فلا ترى سوى رغبة في تسلط كاذب و أثرة بغيضة ، تنظر أيمن منك فلا ترى إلا هضما لجهد الآخرين و بخسا لحقوقهم، وتنظر أشأم منك فلا ترى غير فكر إداري لو أتيح لحانوت لأفسده.

و ليس أسوأ من أن تتحول قاعات الدرس إلى ساحات يبارز البعض فيها بعضا ليحرجه أو يسكته أو يظهر عليه، و ليس أقبح من أن تتحول الدرجات العلمية و النشر العلمي إلى نياشين يباهي البعض بها بعضا و يتعالى البعض بها على بعض غير آبهين بما فيها من علم أينفع أم لا ينفع، و ليس أقبح من أن يتحول الإقناع إلى إجبار، و الاحترام إلى تخويف، والاعتراض إلى تخوين، فتجدك طول الوقت منهكا مستهلكا في إثبات ما هو مثبت، و تقرير ما هو معلوم من الأعراف بالضرورة.

ما نحتاجه في جامعاتنا الناشئة هو وقفة، وقفة نضع فيها الأخلاقيات قبل العلم، و المباديء فوق الشخوص، والمصلحة العامة قبل الخاصة، و الأنا تحت أقدامنا، ما نحتاجه هو إحساس بقيمة الجامعة و الانتماء إليها لا أقول العلمي فحسب بل و الأخلاقي و الفكري و المجتمعي، ما نحاجه هو الشعور بعظم الرسالة و التأثير الذي ننقله لأجيال و أجيال بعدنا ربما لا نعبأ بها في ظل عدم إنكارنا لذواتنا و تصارعنا من أجل صورة في جريدة أو لقطة في تلفاز.


 عمرو أبوالحسن

فبراير ٢٠١٨

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رواية رسل عبقر (تساؤلات)

  رواية رسل عبقر (من معازف الجن)             تأليف:  د. عمرو أبوالحسن المنشد            ماذا فعل قرين عنترة بن شداد ليساعده على التخلص من ال عبودية؟ و لماذا فشل قرين امرؤ القيس في ثنيه عن الأخذ بثأر أبيه؟  وكيف احتال لافظ بن لاحظ للتخلص من عبيد بن الأبرص وقتله على يد المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة؟ وه ل تأثر النابغة الذ بياني ببخل قرينه؟ ما علاقة الشيخ النوبي ومخطوطته الأثرية بوادي الجن  (عبقر)؟ و لماذا كان يتردد على طبيب متخصص في أمراض النوم؟  و كيف استطاع الطبيب الشاب بعد رحلة طويلة في قرى مدينة أسوان ومعالمها اكتشاف السر وراء الشيخ ومخطوطته ؟    احصل عليها من خلال دار نشر فصحى للنشر هاتف: ٠١٠٢٨٤١٧٩٤٠ هاتف: ٠١٠٦١٣١٨٦٣٧

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

رواية ميرعنخ بالعربية (غلاف)