التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الست محبوبة شدت الأنبوبة (قصة قصيرة)

ا


لفصل الأول

في إحدى البلاد البعيدة، بجوار واحدة من المستشفيات الجديدة، تجلس سيدة أمام متجر لبيع الأسماك تدخن الشيشة، تسحب دخانها بعنف وقوة ثم تطلقه في الهواء متبوعا بوصلة من السعال لا يهدأ حتى تطرد بعضا مما في صدرها من بلغم تبصقه على الأرض، إنها الست (عدلات مغازي) سيدة في الخمسين من العمر، بدينة الجسد، متوردة الوجه، محمرة العينين من كثرة السعال، ترتدي عباءة سوداء تكشف عن ساقين متورمتين،وإيشاربا مزركشا يغطي الرأس، وقد تعمدت أن  تشمر أكمامها مستعرضة جبال الذهب التي تكسو أطرافها.

لم يكن أحد في المنطقة يناديها باسمها الحقيقي فقد نسيه الجميع أو كادوا، فأصبحوا ينادونها باسم (محبوبة) نسبة إلى متجر الأسماك الذي ورثته عن زوجها الحاج عبدالعزيز والذي أطلق عليه اسم أسماك محبوبة، في حقيقة الأمر لم يكن محبوبة اسم على مسمى، فقد كانت الست محبوبة بذيئة سليطة اللسان لا تتورع عن السب واللعن بأبشع الألفاظ وأقبحها، وكثيرا ما كانت تستخدم أصابعها أو تصدر أصواتا من أنفها وفمها لتعبر عن غضبها.

في أحد الأيام دخل بعض الأشخاص إلى قسم الطوارئ بالمستشفى وهم يحملون الست محبوبة وقد كانت فاقدة للوعي تماما، قام طبيب الاستقبال بمناظرة حالتها وإجراء التحاليل والأشعات اللازمة لها والتي كشفت عن إصابتها بزيادة في نسبة ثاني أكسيد الكربون بالدم مع نقص حاد في نسبة الأكسجين أدي إلى إصابتها بفقدان للوعي....على إثر ذلك تم نقلها إلى العناية المركزة حيث تم تركيب أنبوبة حنجرية لها وتوصيلها بجهاز التنفس الاصطناعي.


الفصل الثاني

لم يمر وقت طويل حتى بدأت الست محبوبة في تستعيد وعيها بشكل تدريجي، حتى إنها حاولت أكثر من مرة ترك السرير وشد الأجهزة المتصلة بها، لكنها مع هذا كله لم تكن تستطع الكلام فقد كانت الانبوبة الحنجرية تخترق فمها وحنجرتها، فقرر الأطباء إجراء محاولة لفصلها عن جهاز التنفس الاصطناعي ولكن بعد الاطمئنان على باقي تحاليلها.

كان كل شيء يسير على مايرام ووفقا للخطة الموضوعة إلى أن حدثت المفاجأة.....لقد توقفت شبكة الأكسجين فجأة عن العمل، بدأت الست محبوبة تشعر ببعض الاختناق كما بدأت الأجهزة في إصدار صفارات الإنذار، هرول الجميع تجاهها وصاح الطبيب: هاتوا اسطوانة الأكسجين والأمبو ونفخولها بسرعة.

-صاحت إحدى الممرضات في العامل: يلا بسرعة الست هتموت.

كان لهذه الكلمات وقع الصاعقة على الست محبوبة، فتسارعت ضربات قلبها ونظرت إلى الطبيب نظرة المتحير و المستغيث.

وخلال نصف ساعة كاملة كان الطبيب يحاول طمأنتها، إلى أن عادت شبكة الأكسجين إلى العمل، حينها تنفس الجميع الصعداء، أما الست محبوبة فقد نظرت إليهم وهي تحرك شفتيها محاولة أن تنطق ببعض الكلمات، لم يتسطع أحد أن يتبين ما أرادت قوله فقد كانت الأنبوبة الحنجرية تعوق ذلك، إلا إن إحدى الممرضات استنتجت إن أول حرف من الكلمة التي تريد أن تنطق بها هو حرف (الياء)، أخذ الجميع يخمن ماذا يمكن أن تكون هذه الكلمة إلى أن اهتدوا إلى استنتاج مرضي وهو إنها تريد استدعاء ابن أخيها (ياسين) ليكون بجوارها، لذلك قرر الأطباء السماح له بالدخول في محاولة لطمأنتها.


الفصل الثالث:

لم يمر وقت طويل حتى تكررت المأساة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بانقطاع التيار الكهربائي عن العناية المركزة، انتهت المأساة هذه المرة سريعا إلا إن أعصاب الست محبوبة كانت أسرع منها إلى الانهيار، فما إن عاد التيار الكهربائي حتى هاجت وماجت وحاولت نزع الأجهزة وشد الأنبوبة من فمها، لولا أن هدأها الطبيب وطاقم التمريض، كان حرف (الياء) هذه المرة واضحا للجميع حين حاولت أن تتغلب على الأنبوبة لتنطق ببعض كلماتها لكنهم استطاعوا هذه المرة أن يتبينوا حرفا أخر بعد (الياء) كان هذا الحرف هو (الألف)، لكن رغم ذلك لم يتغير استنتاجهم عن المرة السابقة، قال أحدهم: أكيد تقصد ياسين، دخلولها ياسين تاني يطمنها.

.

مرت عدة ساعات،كان كل شيء خلالها يسير على مايرام إلى أن قفزت إحدى الممرضات فجأة من مقعدها وهي تصرخ: فار فار، ساد العناية هرج ومرج وأخذ الجميع يطاردون الفأر من مكان لآخر، أمسك أحد العمال بحامل المحاليل وحاول أن يضربه به إلا إنه أفلت منه، وجرى بعيدا، وفجأة حبس الجميع أنفاسهم وهم يرون الفأر يقفز من فوق أحد الجدران ليستقر في أحضان الست  محبوبة....هرولوا نحوها بسرعة في محاولة لتهدئتها، لكنها ما إن أحست بحركة الفأر بين ثيابها وجسدها حتى قفزت من على السرير في رشاقة لا إرادية أسقطت كل الأجهزة المتصلة بها ثم أشاحت بقبضتها في الهواء موجهة لكمة لإحدي الممرضات أردتها صريعة على الأرض، وباليد الأخرى سحبت الأنبوبة الحنجرية بكل قوة  ثم صاحت في الجميع: يييييااااااااا ولاد الكااااااالب



د. عمرو أبوالحسن المنشد

سبتمبر ٢٠١٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.