التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما هو الشعر؟ (مقال أدبي)



كانت القصيدة العربية ولازالت ينبوعا للجمال, وسجلا للحكمة, وملاذا لكل عاشق,ففيها غنى قيس ليلاه, وفخر عنترة بقواه, وصب المتنبي حكمته, وسكب أبوفراس عبرته,فأضحت القصيدة العربية خير شاهد على براعة العربي ورقته,وسمو حسه وعبقريته.1

والقصيدة العربية وإن كانت قد مرت منذ نشأتها وحتى يومنا هذا بمراحل من الضعف والقوة وأزمنة من الموات والحياة, إلا إنها لم تشهد على مر عصورها من الغموض في تعريفها والضبابية في ملامحها مثلما تشهده في وقتنا الحاضر,وهو أمر أرجعه في المقام الأول إلى كثيرين من دعاة التجديد والحداثة ممن بالغو في تحرير الشعر وإطلاقه من أهم وأبسط أساسياته ,حتى لقد أصبحنا اليوم نبحث عن تعريف واضح للشعر فلا نجده, ونفتش عن أسس بينة لتقييم عمل أدبي فلا نكاد نعثر لها على أثرلذلك كان لزاما علينا في هذا الوقت بالذات أن نطرح هذا السؤال الهام ما هو الشعر؟


وأبدأ بقول الجاحظ في أحد كتبه((الشعر شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا)) وهذا التعريف وإن كان سليما إلى حد كبير إلا إنه لا يخلو من قدر من الغموض وعدم الدقة......وأقول إن السلامة هنا منشأها أن جزءا كبيرا من تعريف الشعر يكمن في اسمه,فالشعر مشتق من الفعل الثلاثي شعر,والعرب تقول شعر الرجل شعرا أي قال شعرا, وشعر به شعورا أي أحس به ,من هنا يمكننا أن نقول إن الشعر دفقة شعورية واضطراب وجداني يحاول الشاعربما لديه من أدوات أن ينقله إلى جمهوره من المستمعين والقراء,وبقدر ما يلامس الشاعر إحساس جمهوره,وبقدر ما يكون الاضطراب الذي تحدثه القصيدة عند الجمهور مساويا لاضطراب الشاعر نفسه,بقدر ما يكون نجاح الشاعر وفلاح القصيدة


أما عن عدم الدقة هنا فأقول إنه إذا ما كنا جميعا بشرا,نحس ونشعر,نحب ونكره,نثور ونغضب....وإذا ما كنا جميعا نمتلك القدرة على التعبير عما يجيش في صدورنا من مشاعر وأحاسيس ؟؟؟...فما الذي يميز الشعر إذا عن غيره من الكلام؟وما الذي يميز الشاعر عن غيره من البشر؟؟؟

هنا تبرز جلية أهمية (الموسيقى الشعرية) كركن ركين وأساس متين لا غنى عنه في بناء القصيدة,والحكم على سلامتها

فالشاعر هو من يستطيع أن يصوغ اضطراباته الشعورية في شكل موسيقي تطرب له أذن سامعه ,وتلذ له نفس متلقيه,فينتهي الشاعر من إلقاء قصيدته ولما ينتهي المتلقي من ترديد أنغامها وتكرارإيقاعاتها.....وعن هذا يقول الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه الموسيقى الشعرية((فالشعر جاء منذ القدم موزونا مقفى,والشعر لايزال في جل الأمم موزونا مقفى,نرى موسيقاه في أشعار البدائيين وأهل الحضارة,ويستمتع بها هؤلاء وهؤلاء ويحافظ عليها هؤلاء وهؤلاء,فليحاول النقاد ما شاءت لهم المحاولة التفتيش عن كل أسرار الشعر,وليصوروها لنا ما شاء لهم التصوير,وليكشفوا لنا عما قد يكون فيه من أخيلة واستعارات وتشبيه ومجاز,وليؤلفوا من مثل هذا علما أو فنا للناس,غير أنا نطمع منهم أن يضعوا موسيقى الشعر في محلها الأسمى,وألا يقرنوها بشيء اخر قد يعثرون عليه في بعض الأشعار,أو يتعثرون في البحث عنه والتنقيب,فليس الشعر في الحقيقة إلا كلاما موسيقيا تنفعل لموسيقاه النفوس وتتأثر به القلوب))انتهى


وإني لأعجب كل العجب من أناس جعلوا شغلهم الشاغل الدعوة إلى تحرير الشعر من أوزانه وإطلاقه من موسيقاه,وهي دعوة كان أول من حمل لواءها الديوانيون(عبد الرحمن شكري,إبراهيم عبد القادر المازني,وعباس محمود العقاد)وذلك بدعوى التطوير والحداثة...وفي الحقيقة إن أحدا لم يجن على القصيدة العربية مثلما جنى عليها هؤلاء بدعوتهم هذه,فهم بذلك لم يزيدوا القصيدة العربية سوى ضعفا وانهيارا,بل وفتحوا المجال واسعا أمام كل متسكع ليتجرأ على الشعر وعلى القصيدة العربية

وإني لأتساءل متعجبا....ترى ماذا سيبقى من الشعر إن نحن سلبناه موسيقاه؟

وهل يا ترى لو لم تكن أشعار العرب القدامى موزونة مقفاة,أفكان العرب يستطيعون استظهارها لتصل إلينا بكل هذه الوفرة في عصر لم يعرف العرب فيه التدوين أو الكتابة؟


وأنا وإن كنت أقف هذا الموقف المتشدد من ضرورة التزام الناظم بموسيقى الشعر كأساس في بناء القصيدة,إلا إنه من الضروري أن أوضح هنا نقطة بالغة الأهمية,وهي أنني حين أتحدث عن الموسيقى الشعرية فأنا لا أقصد بها أبدا أوزان الخليل,بل على العكس من هذا تماما فإني أرى أن من يقوم بقرض الشعر ونظمه على أوزان مخترعة خارج أوزان الخليل لا يعد مبتدعا أبدا,ولا يقدح هذا في شاعريته ولا في كون مايقوله شعرا,وهذا ما قال به الزمخشري في كتابه القسطاس حيث قال((والنظم على وزن مخترع خارج أوزان الخليل لا يقدح في كونه شعرا,ولا يخرجه عن كونه شعرا)).1

وفي النهاية أقول إنه لا يمكن أن تقوم لقصيدة قائمة من دون ركنين أساسيين ألا وهما الدفقة الشعورية والموسيقى الشعرية أو فليسمهما القاريء كيفما شاء....بل إني أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فأقول إن أي عمل أدبي لا يلتزم بهذين العنصرين لا يمكن أن يعد شعرا,ولا يمكن أن نطلق عليه بأي حال من الأحوال اسم قصيدة


وإني لأرجو في الختام من كل عربي ومحب للشعر أن يضع القصيدة العربية في موضعها اللائق والمناسب بها,وهو وضع مقدس قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم((إن من البيان لسحرا,وإن من الشعر لحكمة)),وقال عنه ابن عباس رضوان الله وسلامه عليه((إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه,فاطلبوه في شعر العرب,فإن الشعر ديوان العرب)),وأختم بقول معاوية رحمه الله:((يجب على الرجل أن يعلم ولده,والشعر أعلى مراتب الأدب)).1

رحم الله شعراءنا,وحفظ للعرب لغتهم,وللمسلمين كتابهم,واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين,والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الخلق والمرسلين


دكتور/ عمرو أبوالحسن

الجمعة 

الحادي عشر من يناير 

٢٠٠٨

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.