التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبتاه (مقال أدبي)

 


أبتاه يوم ميلادك تتضاءل كل الهدايا فيفقد الثمين منها-أمام قدرك- قيمته ويصبح الغالي منها - في حضرتك- رخيصا بخسا، وتبقى الكلمات والكلمات وحدها يا أبتي هي ما يحفظ للرجال حقهم وللقامات قدرهم، وإنها لعمري لأثمن عند كل ذي لب من العسجد وألمع عند كل ذي عقل من اللجين، وهذا يا أبتي عرفانك وإنه يا أبتي مقة قد ضمن الدر إلا إنه كلم.

أبتاه ها هي الايام تترى تباعد بيننا المسافات تارة وتقربنا أخرى، لكنها رغم خفضها و رفعها ومدها و جزرها ما استطاعت وأظنها لا تستطيع وعازم على ألا تستطيع أن تغير مؤشر بوصلتي عما ربيتنا عليه من أنفة و سؤدد ومن قيم وخلق، أتلمس خطاك على طريق العلم أطلبه كما عودتني دائما بعزة نفس وكرامة لا أعطي الدنية في نفسي ولا أرضاها لغيري، واضعا نصب عيني ما تردده على مسامعنا دائما من أشعار عنترة:

لا تسقني ماء الحياة بذلة ........بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

وقول المتنبي:

عش عزيزا أو مت وأنت كريم.......بين طعن القنا وخفق البنود

صحيح يا أبتي أن بعض البشر ليسوا فرسانا كما كنت دائما وكما عودتنا أن نكون، فهم أبعد ما يكون عن الالتزام بقواعد اللعبة و شرف الفروسية خاصة إن أنت انتقدتهم أو خالفتهم الرأي، فهم خلاطون للأوراق لا يزنون بالقسطاس المستقيم، ما إن تتح لأحدهم فرصة ليؤذيك في قوتك و مستقبلك إلا وجدتهم إلى ذلك أسرع من الريح المرسلة، لكن هيهات يا أبتي أن بفت ذلك في عضدي أو أن يفقدني تمسكي بمبدأي وإني لمعاملهم بأخلاقي التي ربيتني عليها حتى يعودوا إلى جادة الصواب أو أسفهم المل ، وإني لأبتسم لهم كما ابتسم الشابي من قبل مرددا كلماته:

إني أقول لهم ووجهي مشرق ... وعلى شفاهي بسمة استهزاء

إن المعاول لا تهد مناكبي ........... والنار لا تأتي على أعضائي

من جاش بالوحي المقدس قلبه ..... لم يحتفل بحجارة الفلتاء


أبتاه ليس صحيحا أن اختلاف الليل والنهار ينسي، فكيف ينسى البعض كله أم كيف ينسى الفرع جذعه، وإنك يا أبتي  معي في كل شيء، معي كلما رتل المنشاوي آي القرآن، وكلما قرأت للغزالي كتابا، وكلما سمعت أشعار السيرة الهلالية يدندنها علي جرمون على ربابته، أراك ما رأيت القانون يطبق والعدل يحقق والحرية تنتصر، أراك كلما طلبت مني ابنتي شيئا ظنا منها أني أملك خزائن الأرض وقد كان هذا ظن أبيها فيك من قبل، أراك كلما احتفى بي أحدهم و أكرمني لا لشيء إلا إنه تتلمذ على يديك.


أسأل الله لك يا أبتي عمرا مديدا و قلبا سعيدا وسلامة من كل سوء، أبقاك الله لنا ذخرا و سندا و نبراسا، و كل الناس يا أبتي مياه ووحدك زمزم يروي فؤادي.


ابنك

عمرو أبوالحسن

أغسطس ٢٠١٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.