الدكتور البسطاويسي، طبيب حديث التخرج، شديد الاعتزاز بنفسه إلى حد الغرور، لم يفكر يوما في الحصول على أية شهادات علمية إضافية فهو يرى أن الكثيرين من حملة الماجستير والدكتوراة لا يفقهون شيئا في الطب، كثيرا ما يلومه زملاؤه على سوء معاملته لأهالي المرضى فيرد قائلا:( في ناس كده لازم تتأدب بالراحة وبالذوق)، عندما افتتح عيادته الخاصة علق لافتة كبيرة كتب عليها (الأستاذ الدكتور البسطاويسي كبير أطباء الأمراض الباطنة والجراحة العامة بالمحافظة)
ذات مرة زارته في عيادته الخاصة مريضة تشكو من ضعف بعضلة القلب، وبعدما وصف لها الدكتور البسطاويسي العلاج، قفز أحد المرافقين من مقامه وقال له: (إنت مش هتعلق لها كلكوز يادكتور؟)، حاول الدكتور البسطاويسي عبثا إفهامه أن المحاليل تشكل خطورة على حالتها فهي قد تزيد عضلة القلب ضعفا، إلا أن نصائحه لم تصادف سوى استهجانا ورفضا من مرافقي المريضة، فما كان منه إلا أن أمسك بورقة روشتة وكتب على ظهرها يصرف للمريضة محلول جلوكوز ٥ ℅ ، ثم لجأ إلى حيلة خبيثة فقد أخبر المرافق بعدم وجود حامل للمحاليل بالعيادة وبالتالي يصبح لزاما عليه أن يمسك المحلول بيده ويرفعه حتى انتهاء آخر قطرة فيه، وعندما وافق المرافق على هذه الفكرة وأمسك بالمحلول طلب منه الدكتور البسطاويسي أن يثبت تماما زاعما أن أية حركه من يده قد تقتل المريضة، ثم قام بضبط جهاز المحلول بحيث ينتهي بعد أربع ساعات كاملة، كاد المرافق خلالها أن يجهش بالبكاء وهو يسب ويلعن تلك اللحظة التي اقترح فيها هذه الفكرة.
مرة أخرى التف حوله أهالي أحد المرضى كانوا قرابة العشرة أو يزيدون، أخذ بعضهم يوصيه والبعض الآخر يستعجله و البقية الباقية كانوا بين لائم و مستفسر، ظلوا على هذه الحالة قرابة الساعة الكاملة حتى فاض به الكيل فنظر في ورقة كانت في يده متظاهرا بقراءته أحد تحاليل المريض، ثم نظر إليهم بحزم شديد وقال: (المريض محتاج نقل دم عاجل، عايزين ست أكياس دم على الأقل، مين فيكم هيتبرع؟)، صمت الجميع وكأنهم لا يعرفون المريض، وأخرج بعضهم هاتفه المحمول متظاهرا بإجراء مكالمة عاجلة، ثم لم يمض وقت طويل حتى أخذوا في الانفضاض من حوله واحدا تلو الأخر.
في أحد المرات أصر أحد المرضى على إجراء أشعة رغم إخبار الدكتور البسطاويسي له بعدم حاجته إليها، وأمام إصرار المريض وجهله أدخله الدكتور البسطاويسي إلى غرفة مظلمة لمدة ثلاث دقائق زاعما إجراء الأشعة له، ثم قام بتسليمه إحدى الأشعات القديمة التي كان يحتفظ بها في درج مكتبه.
.
اعتاد الدكتور البسطاويسي أن يقسم الأدوية إلى ثلاث مجموعات رئيسية، مجموعة رخيصة الثمن يصفها لمرضاه من ذوي الدخل المتوسط، ومجموعة ثانية تضم الأدوية الفعالة التى اعتاد وصفها للحالات شديدة الإعياء، أما المجموعة الثالثة فكان يسميها أدوية التأديب وهي مجموعة من الأدوية باهظة الثمن يطلبها من مرافق المريض إذا لاحظ تعاليه أو عجرفته في الكلام، ذات يوم دخلت عليه سيدة مريضة بصحبة زوجها، كان الزوج متغطرسا إلى أبعد الحدود محتقرا لكل شيء حوله كان يتحدث إلى الدكتور البسطويسي وهو يضع قدما على أخرى، فما كان من الدكتور البسطاويسي إلا أن وصف لزوجته علاجا فاقت تكلفته السبعمئة جنيه، جن جنون الرجل يومها وكاد أن يطلق زوجته.
أما أكبر حيله وأفظعها على الإطلاق فكانت مع مريض دخل عيادته وهو يسب ويلعن الأطباء واصفا إياهم باللصوص والنصابين و متباهيا بضربه أحد الأطباء في إحدى المستشفيات، قرر الدكتور البسطاويسي أن ينتقم منه بطريقته الخاصه، فأدخله إلى غرفة الكشف وقام بمناظرة حالته، كان الرجل في كامل صحته، إلا أن الدكتور البسطاويسي ما إن أنهى كشفه حتى نظر إليه نظرة المشفق وقال له بنبرة حزينة: للأسف الفحص بيقول إن فيه اشتباه ورم بالبطن ولازم نعمل شوية تحاليل وأشعات واحتمال كبير نحتاج نعمل عملية علشان ناخد عينه، بهت الرجل وأسقط في يده وأخذ يستفغر ربه ويتوب إليه من كل خطاياه وآثامه ،حتى إن عيناه كادتا أن تذرفا بالدمع لولا أن تماسك، قرر الرجل بعدها أن يسافر من الصعيد إلى القاهرة وقام بإجراء مايزيد عن العشرين كشفا خلاف التحاليل والأشعات التي تجاوزت المئة، حتى اطمأن قلبه و تأكد من خلو جسده من أية أورام.
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
سبتمبر ٢٠١٥
.

تعليقات
إرسال تعليق