التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من مذكرات مدرس مساعد بطب أسوان (ج٢)



الجزء الثاني:  الرهان على الجدران

استدعاه يوما أحد من أوسد إليهم الأمر إلى مكتبه، فلأشد ما كان استغراب الفتى ولأشد ما كانت حيرته، فما كان يوما طراقا لأبوابهم وما كان يوما ميمما وجهه شطرهم، وإنه ليفر منهم فرار السليم من الأجرب والحمر المستنفرة من القسورة، ذهب الفتى إلى مكتب المسؤول وما إن جلس إليه حتى ذهبت عنه حيرته وبادره المسؤول يجادله في بضع أسطر ناقدات خطهن الفتى بيده، فما كان ذلك المسؤول في قوله حليما وما كان في فعله أواها منيبا، لكنه فكر وقدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال للفتى: إن هذا إلا حقد البشر، أكنت في هذه أعمى فلم تر إلا سوادا وظلمة؟،أأنكرت عيناك هذه الإنجازات من رمد أم أنكر فمك طعمها من سقم؟، فما كان من الفتى إلا أن ساق إليه حجته وعرض عليه وجهته، لكن المسؤول كان عن أفكار الفتى بعيدا وكان لحججه عنيدا.

خرج الفتى وقد أخذه من ذلك المسؤول العجب كل العجب، غاية العجب، بالغ ما شئت في العجب، كيف يكون ابتلاعك لهمك وموتك به أهون عند أحدهم من أن تنقده أو أن تواجهه بسلبيات إدارته!؟، وهل كانت غاية الفتى في أمره كله سوى الإصلاح ما استطاع، فهو ما رأى منكرا إلا وحاول أن يغيره بيده و أن يصلحه بجهده فإن لم يستطع فبلسانه وقلمه، وإنه في هذا كله ليعوذ بربه أن يلجئه إلى أضعف الإيمان فلا ينكر منكرا إلا بقلبه. كان ذلك أول الأسباب أما ثانيها وثالثها ورابعها فكان إيمان الفتى الراسخ بضرورة أن تكون الجامعة بيئة حرة يعبر فيها الكل عن رأيه عالما ومتعلما رئيسا ومرؤوسا، لتنشيء عقولا قادرة على النقد وأنفسا قابلة للإختلاف.

مضى الفتى ولم تغير هذه الجلسة من فكره قليلا أو كثيرا، مضى يراجع تلك الإنجازات التي ألقاها ذلك المسؤول على مسامعه، فهل كانت سوى توسعة لبنيان أو تطلية لجدران أو شراء لأجهزة بأبهض الأثمان، جميعها إنجازات تصلح لأن تكون عنوانا في جريدة أو صورة تذكارية في صحيفة، لكن هيهات أن تبنى صروحا للعلم أو قلوعا للطب.

لقد كان اهتمام الإدارات المتتابعة بالحجر على حساب البشر أمرا يثير حفيظة البركان، (وتتابع القطرات يأتي بعده..........سيل يليه تدفق الطوفان)، إن ملامح الإرهاق ونبرة اليأس التي كانت تكسوه و الكثيرين من زملائه ممن حملوا فوق طاقتهم كانت كفيلة بهدم كل ماسبق بل وكافية لأن تفقد الكثيرين منهم حماسهم للعمل وانتماءهم لمؤسساتهم ، وإن تعجب فعجب أن تكلف إدارة ما معيدا أو مدرسا مساعدا بعمل طبيب مقيم ثلاثة أعوام كاملة فإذا ما جاءهم من يضع عنهم حملهم ضيقت عليهم وألجأتهم من كرب إلى كرب، و إن تعجب فعجب أن تجازي إدارة ما مدرسا مساعدا بالخصم من راتبه الذي ينفقه على نفسه وعياله لا لشيء إلا أنه نسي أن يدغدغ جهاز البصمة بسبابته بعد نوباتجية شاقة مرهقة، وإن تعجب فعجب قول أحد المديرين للفتى بعد أن حرر محضرا لمرافق حاول الاعتداء عليه: (لن أستطيع الحضور الآن لأوقع على المحضر، إن موعدكم الصبح أليس الصبح بقريب؟).

أعوام ثلاثة مرت كان رهان الإدارات المتتابعة فيها على الجدران دون البشر، فكان حصادها أجهزة وأبنية وكان حصادها بغضا وكراهية، انقضت الجدران بنقوشها ورسومها وبقي الأطباء بغصصهم وآلامهم، بليت الأجهزة ولما يبلى من يحركها، ذهبت الأبنية ولما تذهب أوجاع ساكنيها، و إن في ذلك لآية فهل من مدكر؟!


وللذكريات بقية، لكن آفة مستشفانا النسيان

عمرو أبوالحسن

فبراير ٢٠١٦

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.