بلهفة شديدة وشغف سلب لبه أخذ يراقب ذلك الجسد الهامد الممد أمامه على سرير العناية المركزة وقد اتصلت رئتاه بجهاز التنفس الاصطناعي...هو أول لقاء بينهما...كهل يصل إلى العناية المركزة فاقدا لوعيه وطبيب شاب يتولى علاجه.
بهدوء شديد اقتربت منه وقلت له: هل تعرفه؟
هز رأسه نافيا وقال لي: هي المرة الأولى التي أراه فيها
قلت له: إذا ما سر كل هذه اللهفة التي تبدو في عينيك؟!
التفت إلي وقد علت وجهه ابتسامة عريضة ثم أشار إلى جهاز التنفس الاصطناعي وقال لي: " عما قريب سيغسل هذا الجهاز رئتيه و دمه من غاز ثاني أكسيد الكربون وسيستفيق....ساعات قليلة ونتعرف على شخص جديد مخبوء داخل هذا الجسد الهامد... ترى كيف هو؟, وما هي شخصيته؟ شقي هو أم سعيد؟ باسم أم عابس؟ يائس أم متفائل؟, كيف هي طريقة كلامه؟ وما هي نبرة صوته؟ كيف ستكون تعبيرات وجهه؟ نظرات عينيه؟ حركات يده؟, يا الله متى سيفتح هذا الصندوق الأسود ومتى يكشف عما بداخله؟"
كان يحدثني عن مريضه بعينين لامعتين وكأنه أب يترقب ولادة طفله الأول, لم يمهلني كثيرا لأعقب فأردف قائلا: " سويعات قليلة ويطلق الله من جديد لسانه فيتكلم وعضلاته فتتحرك وعينيه فتبصران, سويعات قليلة وتسري الروح في عروقه وشرايينه من جديد فيهب من رقدته يطلب الغذاء والماء ولقاء الأحبة والصحاب, سويعات قليلة ويبعث الله هذا الجسد من جديد"
ارتعدت فرائصي وأنا أتخيل أن معجزة إلهية على وشك أن تتحقق أمامي في عصر اللامعجزات, كان يحدثني وكأنه ينظر إلى جسد يخلق أمامه من جديد فها هي العظام تنشز ثم تكسى لحما, أو كأنه أحد حواري المسيح يرقب أستاذه وهو يقرأ على الميت بعض ايات ربه فيحيه, غرقت معه في بحر من التأملات انتشلني منها صوته وهو يقول لي: " بعد قليل ستحيا نفس كادت أن تموت فيحيا لحياتها أبناؤه وأحباؤه"
عندها تذكرت قول الله تعالى: " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "
دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد
ديسمبر ٢٠١٥

تعليقات
إرسال تعليق