التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حواري المسيح بالعناية المركزة (قصة قصيرة)

 

بلهفة شديدة وشغف سلب لبه أخذ يراقب ذلك الجسد الهامد الممد أمامه على سرير العناية المركزة وقد اتصلت رئتاه بجهاز التنفس الاصطناعي...هو أول لقاء بينهما...كهل يصل إلى العناية المركزة فاقدا لوعيه وطبيب شاب يتولى علاجه.

بهدوء شديد اقتربت منه وقلت له: هل تعرفه؟

هز رأسه نافيا وقال لي: هي المرة الأولى التي أراه فيها

قلت له: إذا ما سر كل هذه اللهفة التي تبدو في عينيك؟!

التفت إلي وقد علت وجهه ابتسامة عريضة ثم أشار إلى جهاز التنفس الاصطناعي وقال لي: " عما قريب سيغسل هذا الجهاز رئتيه و دمه من غاز ثاني أكسيد الكربون وسيستفيق....ساعات قليلة ونتعرف على شخص جديد مخبوء داخل هذا الجسد الهامد... ترى كيف هو؟, وما هي شخصيته؟ شقي هو أم سعيد؟ باسم أم عابس؟ يائس أم متفائل؟, كيف هي طريقة كلامه؟ وما هي نبرة صوته؟ كيف ستكون تعبيرات وجهه؟ نظرات عينيه؟ حركات يده؟, يا الله متى سيفتح هذا الصندوق الأسود ومتى يكشف عما بداخله؟"

كان يحدثني عن مريضه بعينين لامعتين وكأنه أب يترقب ولادة طفله الأول, لم يمهلني كثيرا لأعقب فأردف قائلا: " سويعات قليلة ويطلق الله من جديد لسانه فيتكلم وعضلاته فتتحرك وعينيه فتبصران, سويعات قليلة وتسري الروح في عروقه وشرايينه من جديد فيهب من رقدته يطلب الغذاء والماء ولقاء الأحبة والصحاب, سويعات قليلة ويبعث الله هذا الجسد من جديد"

ارتعدت فرائصي وأنا أتخيل أن معجزة إلهية على وشك أن تتحقق أمامي في عصر اللامعجزات, كان يحدثني وكأنه ينظر إلى جسد يخلق أمامه من جديد فها هي العظام تنشز ثم تكسى لحما, أو كأنه أحد حواري المسيح يرقب أستاذه وهو يقرأ على الميت بعض ايات ربه فيحيه, غرقت معه في بحر من التأملات انتشلني منها صوته وهو يقول لي: " بعد قليل ستحيا نفس كادت أن تموت فيحيا لحياتها أبناؤه وأحباؤه"

عندها تذكرت قول الله تعالى: " وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا "


دكتور/ عمرو أبوالحسن المنشد

ديسمبر ٢٠١٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

لماذا عليك ألا تثق في كل ما يقوله صاحب السلطة؟ (مقال ديني)

يقول تعالى عن فرعون وقومه بعدما شاهدوا المعجزات التي جاء بها موسى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"  أي علموا في أنفسهم أن المعجزات حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروا.  ويقول تعالى عن قوم سيدنا إبراهيم بعد أن حطم إبراهيم أصنامهم وقال لهم: بل فعلها كبيرهم هذا "فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ"  أي غلبتهم حجة إبراهيم وتيقنوا أنهم ظالمين.  ويقول تعالى في سورة يوسف "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ"  أي حتى بعدما ظهرت براءة يوسف قرروا سجنه.  والمواقف السابقة تقول لنا بوضوح إياك ان تثق في كل ما يقوله أصحاب السلطة وأعوانهم؛  فإن بعضهم إذا ما أحس شيئا يهدد مصالحه او ينقص نفوذه،  اختلق الحجج وقلب الحقائق، بل ومضى في غيه وظلمه رغم ما يراه من دلائل براءة خصومه و وضوح حجتهم.