طبيب الحي لا يطرب
عوض أبوالبقاء، طالب طب متفوق يكبرني بخمسة أعوام، التقيته أول ما التقيته في إحدى عنابر القصر العيني بأسيوط.
تخرج محمد أبوالبقاء وتسلم عمله نائبا في إحدى الأقسام الجراحية بالقصر العيني، ثم قرر أن يفتتح عيادته الخاصة تحت اسم مستعار وهو (عوض السادات) لأنه كان من المغرمين بالرئيس السادات وخوفا من تعنت رئيس قسمه والمشرف على رسالته، ومع الوقت كبر اسمه واشتهر بين الناس بالسادات، حتى أصبح الناس يقصدونه من أقاصي الصعيد وأطراف البلاد.
انهى الدكتور أبوالبقاء رسالة الماجستير الخاصة به ثم الدكتوراة، وظلت اللافته على عيادته تحمل نفس الاسم (عوض السادات).
قرر الدكتور عوض أن يفرغ يوما لأهل قريته في جنوب مصر، فافتتح عيادة أخرى هناك حملت اسمه الحقيقي عوض أبوالبقاء، وظل يتردد عليها في كل أسبوع مرة لمدة سنة أو أكثر بقليل، إلى أن زارته في إحدى المرات امراة قصدته للكشف على ابنتها التي كانت تعاني آلاما في البطن، وبعد الفحص وطلب الفحوصات وصف لها الدكتور أبوالبقاء علاجا مدته أسبوع ثم طلب منها ان تراجعه بعد أسبوع لتقييم حالة ابنتها واستجابتها للعلاج.
وفي الصباح استقل القطار قاصدا عيادته في أسيوط، وكان من حسن حظي أن جاء مقعدي بجواره، وبعد مضي ساعة من تحرك القطار، طرق طبل آذاننا صوت غليظ يحدث صاحبه في الهاتف المحمول قائلا في زهو وثقة: لا والله أنا في القطر، مسافر أسيوط، هكشف للبنت عند دكتور كبير هناك دلونا عليه... الدكاترة في بلدنا ما يفهموش حاجه في الطب ولا فيه طب عندنا اساسا.
نظرت إلى الدكتور أبوالبقاء مبتسما ونظر إلي لامباليا ثم استسلم كل منا للنوم حتى وصلنا محطة أسيوط.
وفي المساء وفي عيادة الدكتور (عوض السادات) دخل رجل وهو يمسك ابنته في يده، نظر له الدكتور عوض فإذا هو نفس الرجل الذي كان يجلس خلفنا في القطار مهاتفا صديقه، اخرج الرجل من جيبه روشتة علاج ثم قدمها للدكتور قائلا: احنا جايين لك من آخر الدنيا يا دكتور على السمعة، سمعنا عنك كل خير، البنت دي كشفت لها أمها عندنا في البلد... عند دكتور على قده كده، بس أنا أول مارجعت من السفر قلت لازم نكشفلها عند دكتور كبير زي حضرتك ومش مهم الفلوس، فمتعشمين فيك خير.
نظر الدكتور عوض إلى الروشتة فإذا هي تحمل اسمه المعروف به بين أبناء قريته، تبسم الدكتور عوض، ثم قام بفحص البنت مرة أخرى ووصف لها علاجا مشابها ثم طلب من والدها أن يعاود زيارته في أسيوط مرة كل أسبوعين.
ومنذ ذلك اليوم قرر الدكتور عوض أن يغلق عيادته في القرية، ومايزال ذلك الرجل بتردد عليه في عيادته بأسيوط كل أسبوعين مسرورا مغتبطا.

تعليقات
إرسال تعليق