كان أول زوار عيادتي في ذلك اليوم رجل خمسيني طويل القامة أبيض شعر الرأس، يُدعى جميل عياد بطرس، جاءني يشكو ألما في صدره، وبعد ان أتممت فحصه ووجهته لعمل التحاليل اللازمة، فوجئت به يضع يده في جيب بنطاله ويخرج منه مسبحة، مدها نحوي وهو يقوا: خذها ... هدية مني يا دكتور.
اندهشت باديء الأمر؛ فأنا لم أكن أعلم قبل ذلك أن المسيحيين يستخدمون المسبحة، لكنني أخذتها منه متبسما ثم ودعته شاكرا ووضعت المسبحة على مكتبي انتظر دخول المريض التالي.
كان ثاني المرضى رجلا بدينا أصلع الرأس منتفخ العينين أصفر الأسنان تفوح من فمه رائحة السجائر، جاء يشكو من ضيق بالتنفس وكحة مزمنة، تناقشنا حول ما يعانيه من أعراض والعلاج المناسب لمرضه، لكنه كان ينظر مرارا وتكرارا للمسبحة، ما أشعرني أنه يريد قول شيء ما، وبالفعل لم يمض وقت طويل حتى نظر إليّ قائلا: نصيحة مني يا دكتور .... دعك من أمور (الدروشة)، واهتم بالعلم ... العلم وفقط، لقد الغرب سبقنا لأنه ركز على العلم واهتم به ... وأنت سيد العارفين بذلك.
تبسمت ضاحكا من قوله ثم أجبته: الغرب لم يسبقنا، نحن الذين تأخرنا عندما تمسكنا بمظاهر الدين وتركنا جوهره والعمل بتعاليمه؛ الدين يبجل العلماء ويحض على العلم، والمسلمون الأوائل نهضوا بالعلم قبل أوروبا وعلموت العالم كله دون أن يشكل الدين بالنسبة لهم عائقا، هذا فضلا عن أن ذكر الله عبادة لها من التأثير في النفس ما لها.
بدى على وجه الرجل الامتعاض ومط شفتيه قائلا: على أية حال سعدت بلقائك يا دكتور.
حييته مبتسما وتمنيت له العافية والسداد.
دقائق قليلة مرت قبل ان يدخل غرفتي شيخ وابنته، كان الشيخ يلف على رأسه عمامة خضراء ويدير حول رقبته كوفية بنفس اللون، وكان يمسك بيمينه مسبحة طويلة من خشب الكوك، نظر إلى المسبحة على مكتبي ثم تبسم قائلا: لك ورد يا دكتور؟
قلت له: أسبح وأستغفر دون عدد ثابت
تبسم لي ثم أعطاني كتيبا صغيرا وهو يقول: في هذا الكتيب ستجد أذكارا وأورادا رددها حتى تحفظها واحرص أن تداوم عليها، ولا تنسَ في كل مرة ان تدعو لشيخ الطريقة.
أخذت منه الكتيب شاكرا ووضعته إلى جوار المسبحة واعدا إياه بالإطلاع عليه.
كان وقت العيادة يشارف على الانتهاء حين دخلها رجل ضخم الجسم، ذو لحية طويلة، يرتدي جلبابا أبيضا قصيرا، يظهر من جيبه الأمامي طرف مسواك، وبعد انتهاء الفحص ووصف العلاج له، نظر إلى المسبحة على مكتبي وقال لي ناصحا: احذرها يا دكتور فهي بدعة .
قلت له: قرأت رأيا بهذا من قبل وآراء أخرى مخالفة، وأرى أن في الأمر بحبوحة يا سيدب
رد قائلا: هدانا الله وإياك يا دكتور
قلت: آمين... تقبل الله منا ومنك
انصرف المرضى جميعا، وبقيت وحيدي في العيادة أنظر إلى المسبحة أمامي اقلبها بين اصابعي وأنا أتساءل:
إذا كنا لم نتفق على مسبحة... فكيف سنتفق على ما هو أكبر!!!
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق