التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2024

أيها الطبيب... كن ورقة

في بداية مشواري المهني كُلفت مديرا لإحدى الوحدات الصحية، فوجدت نفسي بين دفاتر وملفات وأوراق وأختام ومسؤوليات لا أعلم عنها شيئا، ووجدتني بعد شهر من التكليف أُستدعى إلى النيابة للتحقيق معي بسبب تأخر المدير المالي للوحدة في توريد إيراداتها، وتمت مجازاتي حينها بخصم عشرة أيام كاملة.  كانت تلك لحظة فارقة في مشواري العملي،  أدركت حينها أن القانون والمنظومة الإدارية لا تنظر لسلامة نوايانا كأطباء ولا تغفر لنا جهلنا بها، وأنني وغيري كأطباء لا نعدو-بالنسبة لهم- كوننا حفنة أوراق تُستوفى.  ولكن بقدر قسوة هذه الواقعة وتلك الحقيقة المرة بقدر ما استوعبتها جيدا وأفدت منها، وأخذت بعدها أتتبع كل قانون أو لائحة تحميني وتقوي موقفي أمام الجهاز الإداري لا كطبيب بل كورقة.  لذلك فقد كنت دائما على قناعة بأنه من اللازم لكل طبيب بعد تخرجه أن يقضي بضعة أشهر يدرس خلالها القوانين المنظمة لمهنته دراسة عملية دقيقة ويتدرب على ما يتصل بعمله من إداريات وقواعد تدريبا معمقا وأن يكون ذلك تحت تنسيق مشترك بين الجهات الطبية والقانونية في البلاد، وأن يكون هذا التدريب إلزاميا لممارسته المهنة.  إن علم الطب...

العيادة والمسبحة

كان أول زوار عيادتي في ذلك اليوم رجل خمسيني طويل القامة أبيض شعر الرأس، يُدعى جميل عياد بطرس، جاءني يشكو ألما في صدره، وبعد ان أتممت فحصه ووجهته لعمل التحاليل اللازمة،  فوجئت به يضع يده في جيب بنطاله ويخرج منه مسبحة، مدها نحوي وهو يقوا:  خذها ...  هدية مني يا دكتور.  اندهشت باديء الأمر؛  فأنا لم أكن أعلم قبل ذلك أن المسيحيين يستخدمون المسبحة، لكنني أخذتها منه متبسما ثم ودعته شاكرا ووضعت المسبحة على مكتبي انتظر دخول المريض التالي.  كان ثاني المرضى رجلا بدينا أصلع الرأس منتفخ العينين أصفر الأسنان تفوح من فمه رائحة السجائر، جاء يشكو من ضيق بالتنفس وكحة مزمنة، تناقشنا حول ما يعانيه من أعراض والعلاج المناسب لمرضه، لكنه كان ينظر مرارا وتكرارا للمسبحة، ما أشعرني أنه يريد قول شيء ما، وبالفعل لم يمض وقت طويل حتى نظر إليّ قائلا:  نصيحة مني يا دكتور .... دعك من أمور (الدروشة)، واهتم بالعلم ... العلم وفقط، لقد الغرب سبقنا لأنه ركز على العلم واهتم به ...  وأنت سيد العارفين بذلك.  تبسمت ضاحكا من قوله ثم أجبته: الغرب لم يسبقنا، نحن الذين تأخرنا عندما تمسكنا...

طبيب الحي لا يطرب

  طبيب الحي لا يطرب عوض أبوالبقاء، طالب طب متفوق يكبرني بخمسة أعوام، التقيته أول ما التقيته في إحدى عنابر القصر العيني بأسيوط.  تخرج محمد أبوالبقاء وتسلم عمله نائبا في إحدى الأقسام الجراحية بالقصر العيني، ثم قرر أن يفتتح عيادته الخاصة تحت اسم مستعار وهو (عوض السادات) لأنه كان من المغرمين بالرئيس السادات وخوفا من تعنت رئيس قسمه والمشرف على رسالته،  ومع الوقت كبر اسمه واشتهر بين الناس بالسادات، حتى أصبح الناس يقصدونه من أقاصي  الصعيد وأطراف البلاد.  انهى الدكتور أبوالبقاء رسالة الماجستير الخاصة به ثم الدكتوراة، وظلت اللافته على عيادته تحمل نفس الاسم (عوض السادات).  قرر الدكتور عوض أن يفرغ يوما لأهل قريته في جنوب مصر، فافتتح عيادة أخرى هناك حملت اسمه الحقيقي عوض أبوالبقاء، وظل يتردد عليها في كل أسبوع مرة لمدة سنة أو أكثر بقليل، إلى أن زارته في إحدى المرات امراة قصدته للكشف على ابنتها التي كانت تعاني آلاما في البطن، وبعد الفحص وطلب الفحوصات وصف لها الدكتور أبوالبقاء علاجا مدته أسبوع ثم طلب منها ان تراجعه بعد أسبوع لتقييم حالة ابنتها واستجابتها للعلاج.  وفي...