التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2024

لماذا ميرعنخ؟

  لماذا ميرعنخ؟ في مسيرة الحياة نجد دائما من يقفون في وجه طموحاتنا وأهدافنا، أناسٌ لا يتوانون لحظةً عن خلق العقبات أو وضع العراقيل غير عابئين بك ولا بمستقبلك، أناسٌ يتشدقون بالمباديء تارة ويتحججون بالأعراف تارة أخرى لكنهم وحين تُمَس مصالحهم أو تتضرر حاجاتهم تجدهم أسرع في التحايل على الأعراف والتنكر للمباديء من الريح المرسلة. إن رواية ميرعنخ تسجيل حي لهذا العسف وذلك الجور الذي يتعرض له كل طامح في كل زمان ومكان؛ فكم تعرض ميرعنخ ورفاقه الفنانون للأذًى على يد كهنة المعبد الآتوني الكبير ومديريه الذين ما انفكوا يقللون من شأن الفنانين ويحطون من قدرهم بل ويتعمدون تحميلهم ما يفوق طاقتهم ويُثقل كاهلهم، مهددينهم بالتسريح تارة وبحرمانهم من الترقيات والمكأفآت تارة أخرى. لقد كان في "رعموزا" وابن أخيه "خرو إف" مثال صارخٌ للمحاباة والحياد عن الحق، ونموذجٌ فاضحٌ للالتفاف على المباديء والقواعد المعبدية التي كانت تطبق فقط على ضعاف العمال والفنانين دون غيرهم من أقارب الكهنة والخبراء ورهطهم. إن رواية ميرعنخ وإن كانت تدور أحداثها في فترة حساسة من تاريخ مصر الفرعونية؛  تلك الفترة التي...

أنا والعيادة (مقال أدبي)

وإني لأذهب للعيادة مثاقلا إلى الأرض، أجر إليها قدمي جرا وأعد نحوها الخطا عدا،  فكأنما أدعى إلى قيد أو لكأنما أساق إلى أسر؛ فهي لعقلي موضع كمال لن يبلغ وهي لنفسي مكان لوم لا يقطع. فهذا الزائر الذي يقف ببابك حاملا آلامه وهمه، شاكيا علته وسقمه، ينتظر منك الكثير ويتوقع منك من الخير الجزيل، وهو لا يعلم أنه بتوقعه هذا قد قيد رقبتك, فوضع فوق أحمالك حملا وأضاف إلى واجباتك واجبا؛ فهذا واجب الإنصات إليه وأنت أحوج ما تكون للحظة صمت، وهذا واجب الحديث معه وأنت أضن الناس بالكلام، وهذا واجب الفحص والتوجيه والمتابعة وأنت أحرص الناس على العزلة وأشدهم كلفا بها وحبا لها. ثم إنك تجد نفسك - بما سبق للمريض عندك من عقد وبما عاهدت عليه الله من قبل - مدفوها لمعرفة مصيره وإن ولى دبره، متسائلا عن مآله وإن يمم وجهه شطر آخر، لا تكتفي بما يوجبه عليك قانون وشرع من بذل عناية وجهد بل تتخطاه إلى ما لا طاقة لك به فتلزم نفسك نتيجة وحلا. واجبات بعضها فوق بعض، وهموم تتراكم حول النفس حتى إذا بحثت عنها لم تكد تراها، هموم وواجبات أتحملها طواعية وكرها، كرها لأني أعشق الحرية وأكره كل قيد والتزام، وطوعا لأني أحب العلم ما قرب...

التوازن والمجتمعات

- الدارس للكيمياء يعلم جيدا أن المعادلة الكيميائية لابد أن تكون موزونة، و لا يتحقق هذا التوازن إلا بتوزيع الذرات بشكل متساوي بين طرفي المعادلة، و بدون ذلك ينتج الخلل و عدم الاستقرار. - و الدارس للطب يعلم جيدا أن انسداد أية قناة بجسم الإنسان كالشرايين أو الأوردة أو مجاري الهواء أو مسالك البول تؤدي في النهاية إلى مضاعفات كثيرة أقلها الألم و أخطرها الانفجار و موت النسيج. - و الدارس للفيزياء يعلم جيدا أن الظواهر الطبيعية تسير وفق ميزان دقيق إذا اختل تعطلت الوظيفة. - و الدارس لعلوم البيئة يعلم أن هناك توازنا دقيقا بين عدد الموارد و المستهلكين لها، و بين البوم و الفئران و بين الثعالب و الأرانب و غيرها، فإذا جئت تنصر فئة على أخرى اختل التوازن البيئي. - حتى أبيات الشعر لابد أن توزن وفق تفعيلات معينة و إلا أحدثت في الآذان إيقاعا شاذا. كذلك المجتمعات، فإن انسداد آفاق التعبير فيها و تعطيل قنوات الإصلاح و غياب المساواة سينتج لا محالة مضاعفات بالغة يصعب السيطرة عليها غالبا.

جلدة حنفية (قصة قصيرة)

  • تمهيد "من الخطأ أن تكون الأمور الأكثر أهمية تحت رحمة الأمور الأقل أهمية"  .جوهان ولفجانج فون جوته (المشهد الأول) المكان/ المستشفى الجامعي بجمهورية (سيلستان) – استراحة الأطباء يتسلم أحد الأطباء الجدد عمله بالمستشفى الجامعي كمدرس مساعد..... يرحب به زملاؤه..... يسلموه جدولا بالمهام الموكلة إليه خلال الشهر القادم..... ينظر الطبيب إلى الجدول ويقرأ بصوت عالي..... - الطبيب : يوم السبت عيادة, يوم الأحد تدريس للطلبة, يوم الإثنين نوباتجي عناية, يوم الثلاثاء ..............(يتوقف عن الكلام ويحدق بالجدول برهة, ينظر إلى زملائه متسائلا): يوم الثلاثاء مرور حمامات..... يعني إيه!؟ - يرد أحد الأطباء : يعني سيادتك تيجي من بيتكم الصبح بدري, وتمرعلى الحمامات وتشوفها نظيفة ولا لأ, ولو محتاجه حاجه تعملها. - الطبيب : إنتوا أكيد بتهزروا يا رجاله! - يرد طبيب اخر : والله زي ما بيقولك كده, دي أوامر الإدارة الجديدة, المرور على الحمامات قبل العيانين. - الطبيب (محاولا استيعاب الموقف) : يبقى أكيد الحمامات دي فخمة ومصروف عليها ملايين؟! - أحد الأطباء : لأ أبدا دي متهالكة, ومحتاجه مش بس صيانه لا دي عايزة تت...

المدير دائما على حق (قصة قصيرة)

• تمهيد: "عندما لا يوجد البستاني لا توجد الحديقة" قول مأثور المكان: مستشفى في أقاصي الصعيد (المشهد الأول) قسم الطوارئ والاستقبال...عدد من الأسرة المتهالكة المرصوصة جنبا إلى جنب, تفصل بينها ستائر بعضها ممزق وبعضها متسخ وبعضها الاخر غير موجود,يعلوها عدد من مخارج الأكسجين معظمها معطل, وجهاز للبخار يتم تناقله من مريض إلى اخر....مرضى يملاون الأسرة ومرافقون يزدحمون في الطرقات, الطبيب يتوسط المكان وقد بدت عليه علامات التعب والارهاقز . - أحد المرافقين (منفعلا) : هي دي الجامعة؟!...قعدتوا تقولولنا الخدمة هتتحسن والعلاج هيتوفر بعد ما المستشفى تبقى جامعي, وادي اهه العلاج كله مشتريه من بره, ده حتى جهاز المحلول والبلاستر من بره, يبقى إيه لازمة الجامعة؟؟ - الطيب (محاولا تهدئته) : معلش ياعم الحج, أي حاجه كده في الأول بتبقى صعبة, بس لازم أنا وانت نستحمل ونساعد بعض علشان المكان ده يوقف على رجليه ويخدمك انت وعيالك بعدين. - المرافق: ربنا يصلح الحال يا دكتور ويساعدكم. بعد ثواني معدودة - مريضة تصرخ : حرام عليكم, اتقوا ربنا, نص ساعة كاملة والممرض لسه ماجاش يديني الحقنة, يعني لازم نموت علشان تسألوا ...

المشهد كما أراه (خاطرة)

بلا طعم بلا لون بلا رائحة تأتي كلماته. نفس مريضة تبحث عن مجدها المزعوم  في صناديق القمامة ... ومصارف المياه. إسقاط ... ثم تعويض ... فإنكار ... صبغت جميعها بضلالات العظمة ... وجنون الإلهام. إفلاس يدعي الغنى ... وقبح يدعي الجمال ... و بلاهة تدعي التعقل ... ظلمات بعضها فوق بعض. وهم يتحدث عن أوهام ... يلقي بها إلى ثلة من الانتهازيين  الأغبياء. اللا إنسانيين ... واللا بهيميين ... خائفين ... مخوفين ... ضالين ... مضلين ... للقيم قالبين ... للحقائق مزييفين. . الشمس عندهم قد تشرق من مغربها والأرض عندهم قد لا تدور ومحاكم التفتيش جاهزة إن أنت أنكرت  أو قدرت أو فكرت أو حاولت أن تقول. عمرو أبوالحسن أكتوبر ٢٠١٦

نصر الله (مقالي ديني)

  - يقول تعالى:(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) - و يقول تعالى:(وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) - و يقول تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ليس كل التثبيت في الحياة أفعال تتخذ، قد ينصرك الله بمحبة تلقى في قلب عدوك، أو بطمأنينة يزرعها في صدرك أو بسكينة ينزلها عليك. و ما يعلم جنود ربك إلا هو

أبوالطب الحديث (مقال طبي)

  * أبو الطب الحديث (ويليم أوسلر), من هو؟ Sir William Osler . تمهيد: هذا مقال قديم جديد، كتبته في السنة الأخيرة من دراستي الجامعية تأثرا بهذا الرجل و فلسفته، و قد رأيت أن أعيد نشره الآن بعد أن كثرت المنشورات التي تناولت سيرته بشكل غير صحيح، فربما يكون في إعادة نشره بعض فائدة لطلاب العلم. . ولد السيد أوسلر عام ١٨٤٩م في إحدي المدن الكندية,و كان ترتيبه الثامن بين تسعة أخوة,وعندما أصبح أوسلر فتى يافعا وجد نفسه في حيرة من أمره,فهو مذبذب بين رغبته في دراسة العلوم الدينية ليصبح قسا مثل والده,وبين رغبته في دراسة العلوم الطبيعية التي كانت تستهويه منذ صغره,إلا إنه قرر في النهاية أن يقوم بدراسة علوم اللاهوت والربوبية,فالتحق بإحدى الكليات المتخصصة في هذا المجال Toronto's Trinity College . إلا أنه وبعد عام كامل من الدراسة وجد نفسه غير قادر على الاستمرار في هذا المجال, فاتخذ قراره الجرىء والمصيري بتغيير مساره والالتحاق بكلية الطب البشري,وقد شجعه على هذا القرار أحد القساوسة الذين كان يثق أوسلر في رأيهم ومشورتهم. وبالفعل بدأ أوسلر دراسته للطب في جامعة ماك جل McGill University in Montréal وحصل منها...

يوسف لا ترتع (خاطرة أدبية)

  يوسف لا ترتع هنا  ولا تلعب فالعصبة خاسرة والذئب يأكل شاتها في كل حين يوسف في غيابة الجب ينتظر السيارة وما من سيارة فالقوم باعوا دلوهم والقوم باعوا بئرهم والقوم قد عبدوا الحجارة دراهم غير معدودة و أثمان بخسة فالقوم قد عادوا  من بعد اليقين حيارى و امرأة العزيز ما انفكت  تراود فتاها عن نفسه وغلقت الأبواب و قالت هيت لك وما من سيد لدى الباب يردعها وما من أهلها شاهد يشهد و السجن أحب  إلى عزيزنا منا فأما أولنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه و أما ثانينا فيصلب فتأكل الطير من رأسه وأما ثالثنا فيصلب فتأكل الطير من رأسه فالطير أحب إلى عزيزنا منا سبع سمان يأكلهن سبع عجاف يأكلهن سبع عجاف يأكلهن ضبع أعجف فالآن ما حصحص الحق و ما أوفى لنا الكيل وما تصدق و الناس عند القصر يخرون له سجدا فما آوى إليه أحد وما رفع أحدهم على العرش فإن يطغى فقد طغى سيد له من قبل فإن أظلم فاذكرني عند ربك وإن أسجن  فاذكرني عند ربك وإن أقتل فاذكرني عند ربك وما كان ربك نسيا عمرو أبوالحسن ديسمبر ٢٠١٧ .

أحب الجمال (خاطرة أدبية)

  أحب الجمال و أبحث عنه في كل شيء في رقة شعر منظوم أو دقة نص منثور في روعة لفظ منطوق في أدب في سحر بيان في صخر ينحت تمثالا أو طين يطبخ فخارا في خيط ينسج أشكالا في لون.....في ريشة رسام في ناي يعزف أنغاما أو عود دندن ألحانا في هزة وتر لقانون في وصلة عزف لكمان في آي تكتب في حسن بالرقعة أو خط الديوان في شيخ يتلو أذكارا صوفيا يروي أخبارا أو ينشد شعرا و مديحا في ورع يتلو القرآن في حلقة علم أو ذكرى في الشك وفي عمق الفكرة في العقل تزينه الحكمة في نص يرويه الشيخان  في الكأس و في تاج الزهرة في عين النحلة و النملة في حركة طير، في سمكة في الذرة، في جسم الإنسان في كوب الشاي أقلبه في نكهة فنجان القهوة في التمر إذا أضحى رطبا في الذرة .... في حب الرمان دكتور/ عمرو أبوالحسن أغسطس ٢٠١٨

الصلاة وسلوكيات الأمة (مقال ديني)

  و الصلاة وحدها كفيلة بأن تغير سلوكيات أمة بأكملها، فتلك الشروط التي لا تصح الصلاة إلا بها تعد في حد ذاتها دستورا حياتيا متكاملا. - ففيها قيمة (النظافة)، حيث لا تصح صلاة بلا طهارة - و فيها قيمة (حسن المظهر)، فقد أمرنا الله بأخذ زينتنا عند كل مسجد. - و فيها قيمة (الاتحاد و الجماعة)، فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع و عشرين درجة. - و فيها قيمة (احترام الوقت), فالصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. - و فيها قيمة (النظام), فيصلي الناس صفا صفا القدم بالقدم و الكتف بالكتف، و الله لا ينظر الله إلى صف أعوج. - و فيها قيمة (التواضع و المساواة), فترى الفقير يؤم الغني، و ترى الأمي يؤم العالم، و ترى الشاب يؤم الشيخ. - و فيها قيمة (الحرص على العقل و الوعي), فيقول تعالى: لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى - و فيها قيمة (الهمة و النشاط), فالمنافقون وحدهم من يقومون إلى الصلاة و هم كسالى. . فانظر كم هو نصيب المجتمعات من هذه القيم، تعلم كم هو قدر إحسانها للصلاة و تمسكها بها و صدق الله-تعالى، القائل في كتابه: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و البغي) عمرو أبوالحسن يناير ٢٠٢٠

كل شيء بقدر (مقال ديني)

  رحم الله نبي الله موسى، لم يعنف فتاه حين نسي أمر الحوت و جاوزا الصخرة، و لم يلم حظه أو ينعته بالسيء لأنه لم يقف عند المكان المراد مبكرا بل جاوزه لما بعده حتى أصابه التعب و النصب. فاعلم يرحمك الله أنك قد تسعى نحو هدفك تروم بلوغه في وقت محدد، لكن الله تعالى يجعل الخير كل الخير في أن تصل إليه متأخرا و قد أصابتك بعض المشقة.

من مذكرات مدرس مساعد بطب أسوان (ج٣)

  الجزء الثالث: الجندي المجهول "هذا هو ديدن الحروب يا صديقي يسحق فيها صغار الجند ليرفع رايات النصر كبار قادتهم، ثم مايلبث أن يصنع هؤلاء لؤلئك صنما من حجر يسمونه الجندي المجهول يضعون عليه أكاليل الورد وبعض الكلمات المستهلكة وعبرة تمساح ربما تطايرت أمام عدسات صحفي أو مقدم برامج تلفزيوني" قالها وهو يستخرج من وجبة الغذاء جثة بعوضة ميته، ألقاها جانبا بعد أن لوح بها في الهواء وكأنه يقول للفتى ومن معه: مفيش فايدة، وفي الحقيقة كانت وجبة الغذاء هي الشيء الوحيد الذي ظل صامدا طوال هذه السنوات الثلاث فلم يتغير، فقليل من الأرز المعجن مع قطع صغيرة من اللحم كريه الرائحة و شيء من البطاطس أو الفاصولياء الباردة كان دائما هو قوام وجبة الغذاء لطبيب يعمل مدة أربعة وعشرين ساعة وربما أكثر. كادت كلماته أن تغرق الفتى في بحر من الأفكار حاول أن يغمس رأسه فيه عله يجد واقعا مخالفا لما حكاه ويحكيه لكن زميله هذا لم يمهله كثيرا فانتشله ولما تبلل الأفكار ركبتيه، قال لهم بنبرة ملؤها التيه والتحدي: (ثلاثة سنوات انقضت أتحداكم أن تقلبوا في دفاتر ذاكرتكم فتخرجوا منها يوما أشادت فيه الإدارات المتعاقبة بصغار أطبائه...

من مذكرات مدرس مساعد بطب أسوان (ج٢)

الجزء الثاني:  الرهان على الجدران استدعاه يوما أحد من أوسد إليهم الأمر إلى مكتبه، فلأشد ما كان استغراب الفتى ولأشد ما كانت حيرته، فما كان يوما طراقا لأبوابهم وما كان يوما ميمما وجهه شطرهم، وإنه ليفر منهم فرار السليم من الأجرب والحمر المستنفرة من القسورة، ذهب الفتى إلى مكتب المسؤول وما إن جلس إليه حتى ذهبت عنه حيرته وبادره المسؤول يجادله في بضع أسطر ناقدات خطهن الفتى بيده، فما كان ذلك المسؤول في قوله حليما وما كان في فعله أواها منيبا، لكنه فكر وقدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال للفتى: إن هذا إلا حقد البشر، أكنت في هذه أعمى فلم تر إلا سوادا وظلمة؟،أأنكرت عيناك هذه الإنجازات من رمد أم أنكر فمك طعمها من سقم؟، فما كان من الفتى إلا أن ساق إليه حجته وعرض عليه وجهته، لكن المسؤول كان عن أفكار الفتى بعيدا وكان لحججه عنيدا. خرج الفتى وقد أخذه من ذلك المسؤول العجب كل العجب، غاية العجب، بالغ ما شئت في العجب، كيف يكون ابتلاعك لهمك وموتك به أهون عند أحدهم من أن تنقده أو أن تواجهه بسلبيات إدارته!؟، وهل كانت غاية الفتى في أمره كله سوى الإصلاح ما استطاع، فهو ما رأى منكرا إلا وحاول أن يغيره...

من مذكرات مدرس مساعد بطب أسوان (ج١)

الجزء الأول:  ثلاثة أعوام من العزلة تمهيد:  هذه كلمات ربما لن تهم الكثيرين أو تضيف إليهم، لكني آثرت تدوينها لأنها تحفظ بعض نعم الله على عبده فعله يكون له من الحامدين، وتعترف بجميل من وقفوا بجانبه فحق عليه أن يكون لهم من الشاكرين، وتخلد جهد فتية صبروا وصابروا وجدوا فوجب - وإن تجوهلوا - أن يكونوا من المقدرين، وربما كشفت فيما تكشف زيف مدع أو حكم قاسط كان ومازال لقولهم وفعالهم من المنكرين القالين. ثلاثة أعوام مرت على صاحبنا منذ أن تسلم عمله معيدا بكلية الطب حديثة الإنشاء، ثلاثة أعوام قضى منها مايزيد عن الثلاثمئة يوم نوباتجيا بين جدران المستشفى الجامعي الجديد، فإذا أضفنا إليها واجبات أخرى كساعات تدريس أوعيادات خارجية أومرور على المرضى ربت تلك الأيام الثلاثمئة على السنة الكاملة. سنة كاملة لم يرى فيها صاحبنا سوى مرضى أو من يمرضهم، قضى منها ما يقرب من الستة أشهر في عزلة تامة وعمل متواصل، توفي عمه فلم يجد مندوحة للسفر والعزاء سوى أن يواصل عمله ستا وخمسون ساعة تجرعهم علقما، وكسرت ساق زوجته فما اسطاع أن يرافقها وما استطاع أن يغادر عمله أربع ليال وخمسة أيام حسوما، رأى بعض من أوسد إليهم ال...

لا أنافقه ولكن أحترمه (مسرحية شعرية من مشهد واحد)

  المشهد الأول والأخير يمر المسؤول الكبير فيلتقي أحد مرؤوسيه - المرؤوس: معاليكم معاليكم وهل في الكون يا مولاي إنسان يساويكم فكل الناس من طين ومن نور معاليكم وكل الناس كفار ووحي الله يأتيكم معاليكم معاليكم . . - المسؤول: معالينا إذا شئنا وهبنا المال أطنانا ورقينا...وعلينا كسونا الرأس تيجانا وعيناك إن شئنا مدير القوم أزمانا فدم في مدحكم إني خلعت عليك رضوانا . . - المرؤوس: معاليكم إذا فلتم فكل القول قران وكل الرأي ايات وإنجيل و برهان وهل في الرأي يا مولاي إنسان يدانيكم معاليكم معاليكم . . - المسؤول: معالينا إذا شئنا سكبت عليك غفرانا ملأنا بطنك الخاوي عناقيدا ورمانا فزر بالليل مكتبنا تفز بالعز ألوانا وتصبح في إدارتنا زعيم القوم سلطانا فحاذر أن تخالفنا وأن تلقاني غضبانا . . - المرؤوس: معاليكم إذا شئتم فمن في الكون يعصيكم فمرني أقتل النفس وبالأرواح أفديكم وشعري سوف أسكبه خمورا ثم أسقيكم عيالي سوف أذبحهم إذا ما الموت يحييكم وصحبي سوف أهجرهم أخالفهم و أرضيكم وأقسم أنه صدق ولست منافقا فيكم تأليف دكتور/ عمرو أبوالحسن نوفمبر ٢٠١٤

من دروس السيرة (مقال ديني)

و من أهم دروس السيرة النبوية أن دعاوى الإصلاح غالبا ما تقابل بالتشويه و التسفيه و الإضطهاد من أصحاب المصالح و النفوذ، لأنه غالبا ما يحمل الإصلاح في طياته إيذانا بزوال كل مصلحة بنيت على باطل و كل نفوذ لا يقوم على العدل ولا يقيمه. حدث ذلك في مكة حين شعر أسياد قريش بما تحمله رسالة الإسلام من تهديد مباشر و غير مباشر لسلطتهم السياسية و ارستقراطيتهم الدينية و الإقتصادية على باقي قبائل العرب، فحاربوا الإسلام و أتباعه بكل ما أوتوا من قوة. و تكرر ذلك أيضا في المدينة حين أحس اليهود و على رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول الذي كان يجهز نفسه ليكون ملكا على المدينة، بأن انتشار الدعوة الإسلامية يهدد ذلك الحلم في الملك و السلطة، فما كان منهم إلا أن حاربوا هذه الدعوة بالنفاق تارة و بالغدر تارة أخرى. هكذا هو قدر كل مصلح في كل زمان و مكان،  و صدق الله حين يقول :(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين).  دكتور/ عمرو أبوالحسن نوفمبر ٢٠١٩